من المرجح أن ديفيد ميليباند ينظر بأسى إلى الماضي، ويحس أنه لو تحدى غوردون براون في أي مرحلة لفاز عليه، وتربع على كرسي رئاسة الوزراء، أما السؤال الذي يخطر ببال أخيه الأصغر إد، الذي فاز عليه بفارق بسيط في انتخابات زعامة حزب العمال التي أجريت أخيراً، فهو سؤال أكثر أهمية في المرحلة الحالية والمقبلة، إذ يتعلق بقدرة وجرأة إد ميليباند على فعل ما هو ضروري للفوز برئاسة الوزراء.
عانى حزب العمال من التخبط طويلاً، وكانت الانتخابات الأخيرة، بالنسبة لحزب العمال فرصة للتنافس مع حزب المحافظين، وإعادة تجديد للحزب، غير أنها كانت ظاهرة مؤقتة، ولم تدم، فلا يوجد هناك تجديد بالمعنى العميق للكلمة، حتى ان الحزب كاد ينهار في مايو الماضي لولا الحملات الانتخابية الذكية والقدر الوافر من الحظ، تماماً كما حدث في عام 1983 عندما تفوق حزب العمال على حزب المحافظين بفارق ضئيل بسبب الدعاية الانتخابية السيئة التي أدارها المحافظون.
ولا يعتبر الدعاء من أجل تكرار ذلك من جانب حزب العمال استراتيجية رصينة، أو تعليق الآمال على فكرة أن التحالف الحاكم في بريطانيا سوف يفقد شعبيته بصورة نهائية. النجاح الحقيقي يكمن في أن يصنع الحزب نفسه ويخط مصيره بيد، لا أن ينتظر سقطات الآخرين ليستغلها.
الخطوة الأولى تكمن في محاولة فهم وتحديد المشكلة، ولا أظنها تكمن في شخصية توني بلير أو غوردون براون، أو حتى الركود الاقتصادي. لقد بدأ الجميع يشعر بأن طريقة حزب العمال الجديد في إنجاز الأمور تدل على الغرور والجمود والشمولية.
وفي النهاية، الهرم والضعف، فكيف لحزب نجح يوماً في فرض قانون حقوق الإنسان أن يتحول، كما يرى الكثيرون، إلى عدو للحرية بهذا الشكل؟ وكيف يمكن لحكومة أعادت بناء المدارس ورفعت رواتب العاملين في القطاع العام أن ينظر لها المعلمون بكل احتقار؟
على ميليباند أن يجيب عن كل تلك الأسئلة، خاصة أنه يعي المشكلة فقد قال وبكل صراحة إن خسارة حزب العمال للانتخابات ما هي إلا البداية، أما المشكلة فعميقة الجذور.
هناك أيضاً عوامل خارجية أثرت على شعبية حزب العمال، فالحرب على العراق كان لها أثر سلبي في العلاقة بين حزب العمال وناخبيه، إذ انها أحدثت جرحاً لم يندمل حتى اليوم، ومن هنا تبرز قوة إد ميليباند، فهو يتمتع بذكاء عاطفي وإحساس وجداني كبيرين، وهذه صفة قلما تجدها لدى كبار السياسيين.
دارت كثيراً نقاشات حامية الوطيس في أرجاء حزب العمال حول كيفية إعادة بناء تحالف انتخابي قوي وناجح، وفيما إذا كان من الصواب استهداف الناخبين الثابتين أم استهداف الناخبين المتأرجحين، غير أن هذا الطرح عقيم، والحقيقة البسيطة هي أن حزب العمال سيفوز إذا نجح في كسب كل البريطانيين.
وليس فقط فئة من الناس أو مناطق معينة، وفي حديث إد ميليباند، الذي وجهه لقراء صحيفة «ديلي تلغراف»، أخيراً، قال إنه يريد أن يتحدث مع أبناء الطبقة الوسطى ويشاركهم همومهم، وهذا تصرف صائب، وأفضل كثيراً من سياسات نيك كليغ الرامية لحرمان أبنائهم من حق التعليم الجامعي، لهذا على إد أن يدرك أنه من أجل كسب ود أبناء تلك الطبقة ودعمهم فينبغي السعي لفهمهم ومساعدتهم على التنفيس عن مكبوتاتهم.
وهذا يقودنا مباشرة لاختيار إد ميليباند لأعضاء حكومة الظل، فهو يتعين عليه أن يضع أقوى ما لديه بمواجهة أضعف نقاط التحالف، لكن رغم مناعة هذه الاستراتيجيات يرى الكثير من المراقبين أن انتخاب إد ميليباند رئيساً لحزب العمال معناه خسارة الحزب في الانتخابات المقبلة.
لقد كان ريتشارد نيكسون هو من قال يوماً إن الطريق لتصبح رئيساً جمهورياً تتطلب الركض نحو «اليمين» لتنال من خلاله حق الترشح، ومن ثم الركض في الاتجاه المعاكس تماماً بأسرع ما يمكن باتجاه الوسط من أجل الفوز في الانتخابات.
ومن المبكر جداً في هذه المرحلة استبعاد احتمالية أن يكون «إد ميليباند» قد وظف هذه الاستراتيجية لصالح حزب العمال البريطاني، وكل الاحتمالات قائمة، ففي الانتخابات الأخيرة، لم يكن أحد من المراقبين يتوقعون فوز إد على شقيقه الأكبر والأوسع خبرة، وبالتالي فإن من يتوقعون الفشل والهزيمة في مستقبل إد ميليباند لم يتعلموا من التجارب السابقة، وربما سيتعلم إد من مجمل إخفاقات ونجاحات حزب العمال، وينجح يوماً ما في إعادة كتابة النص لحزب العمال وصياغة سياساته.
بقلم ـ جون مكترنان - ترجمة ـ يوسف جباعته
