أصبح لحزب العمال البريطاني أخيراً قائد قادر على الفوز بالانتخابات العامة المقبلة، ومؤمن بمبادئ الاشتراكية الديمقراطية، وتتركز نقطة قوة إد ميليباند، بالإضافة لكونه يتمتع بقدر وافر من الذكاء وصفاء الروح والنفس، في رسوخ قناعاته وثباتها.
لقد خسر حزب العمال الانتخابات الأخيرة، على الرغم من الإنجازات الكبيرة التي حققتها حكومتا بلير وبراون، بسبب اقتناعه الخاطئ بأنه ينبغي أن يقلد الحزب المنافس من أجل تحقيق الفوز، فأقترح بعض التنظيمات لتغطية القطاع الخاص والأسواق المحلية في مجال الخدمات العامة، ممزوجة بنوع من الفظاظة في تجاهل الحريات العامة، لهذا فلم يكن مستغرباً أن تتخلى عنه جمهرة الناخبين، وألوف من العائلات البريطانية الثرية بدأت تطرح سؤالاً يقع في المقام الأول من الاهتمام السياسي لجميع الناخبين وهو: «ما هي رؤية حزب العمل، وعلام يرتكز في طروحاته؟».
من الواضح أن إد ميليباند يملك الإجابة عن هذا السؤال، وسوف يجيب عنه بثقة مستمدة من حقيقة مفادها أن الأغلبية في بريطانيا ينتظرون الفرصة لانتخاب حزب أصيل غير تقليدي قادر على التغيير، وزعيم أصيل وقوي أيضاً.
ومن المرجح أن يتعرض إد، في الأسابيع الأولى لتسلمه منصبه الجديد، لادعاءات ستطلقها صحف المحافظين الميالة للانتقاد والسخرية، وقدماء حزب العمال الميالين للثرثرة والزعم بأن إد يريد أن يعود بالحزب لأيام سلفت كانت فيها الملكية العامة هي السائدة، ونزعة الخنوع أمام النقابات التجارية هي الطاغية، لكن إد ميليباند لن يجد صعوبة كبيرة في إثبات أن هذا الكلام كله هراء، فهو معتدل، ولديه فلسفة شخصية تتسم بالوضوح، وهو يريد أن يرى مجتمعاً تسوده المساواة، ويعلم يقيناً أن المساواة لا تتنافى مع الحرية، فهما مفهومان يسيران جنباً إلى جنب، وهذه الفلسفة هي فلسفة مهذبة وسارة، وقد آن أوانها.
يقدم إد ميليباند لحزب العمال فرصة ثمينة لانطلاقة جديدة ومختلفة، عن طريق تقديمه للمبادئ الجوهرية في حلة جديدة، ولا شك بأنه لا يمكن لأي حزب عريق أن يخوض معركة البرلمان الممتدة خمس سنوات استناداً إلى سجل نظيف تماماً، لكن الأمر كما أوضحه توني بلير، عندما قاد الحزب للمرة الأولى بإصراره على ضرورة الاستمرار والمضي قدماً.
وبما أن حزب العمال الجديد هو نتاج فترة التسعينات، فإنه لن ينجح إلا إذا نحى المساومة وأنصاف الحلول جانباً، ولا أظن أن ديفيد ميليباند أراد أن يبعث المبادئ البليرية من الموت، أو أن إد بولز نسخة سياسية مصغرة عن غوردن براون، لكن كان واضحاً خلال الحملة الانتخابية أن إد ميليباند أوفر حظاً من الاثنين في قيادة الحزب عبر طريق جديد ومختلف.
ويتمتع إد بخصال الجرأة والإقدام، وهذا ما يحتاجه حزب العمال بشكل كبير، حيث انه دافع عن مبادئه بثبات وشجاعة، وهو بعد لا يزال على أعتاب الحزب، وينظر إليه على أنه غريب، كما أنه تصدى بشجاعة للصحافة المعادية، ليس في بريطانيا وحسب بل على امتداد العالم، واستطاع أن يحتمل لهيب نار النقد والعداء بكل رجولة، حيث قرر من البداية أن الجهر بقناعاته هو ما سيحقق له الفوز، وقد تحقق ذلك، والأمر ذاته سيحدث في الانتخابات العامة المقبلة.
قبل شهرين، اجتمع حزب العمال المحلي في المنطقة الانتخابية التي أتبع لها، ليقرر ترشيح قيادته المقبلة، حيث أعاد الأعضاء المجتمعون ترديد «الكليشيه» القديم نفسه في هل ينتخبون الرأس أم القلب، أي العقل أم العاطفة، وهذا أمر يتكرر منذ فترة طويلة عند اجتماع الأعضاء لترشيح رئيس للحزب، فكان أن تقرر دعم إد ميليباند، لأنه يجسد مبادئ الاثنين معاً، العقل والعاطفة.
لكن من المهم جداً أيضاً أن نتذكر أن المعركة السياسية الحقيقية لا تدور رحاها على جبهة مجلس العموم فحسب، وإنما في أرجاء بريطانيا كلها، وميليباند هو المرشح الأوفر حظاً لترجيح كفة حزب العمال في الانتخابات، لسبب بسيط هو أنه المرشح الأكثر قرباً وتفهماً للشعب، وهذا ما يحتاجه حزب العمال بشكل كبير.
بقلم ـ روي هاترسلي
