دأب الفلسطينيون على احياء ذكرى اندلاع «انتفاضة الاقصى»، في سنواتها الاولى، بالمسيرات والمظاهرات والمهرجانات الشعبية، لكن ذكراها هذا العام مرت دون اي مظهر احتفالي يذكر، وكأن احدا لم يشأ ان يتذكر هذه الانتفاضة بسبب حجم الخسائر الفلسطينية التي طالت آلاف الشهداء والبيوت والدمار الاقتصادي.
فقد قدم الفلسطينيون خلال السنوات السبع من انتفاضة الاقصى تضحيات كبيرة وعظيمة، لكن الحصاد السياسي لتلك التضحيات كان متواضعا. فبعد سبع سنوات من التضحيات العظيمة، انقسم الوطن الى وطنين، واحد تسيطر عليه حركة «حماس» ( قطاع غزة)، والثاني تسيطر عليه حركة «فتح» (الضفة الغربية). وترافق هذا الانقسام مع انهيار في القيم الوطنية والاجتماعية جراء الشعور العام بفشل الانتفاضة، وما رافقها من انتشار حالة الفوضى الامنية، وتراجع الاقتصاد الذي وصل الى شفا الانهيار، وسيطرة الميليشات العسكرية على مقاليد الحياة.
لحق بالشعب الفلسطيني خسائر كبيرة في هذه الانتفاضة. خسائر وانهيارات سياسية واقتصادية واجتماعية.فقد قدم الفلسطينينون في هذه الانتفاضة اكثر من خمسة آلاف شهيد و60 الف جريح، بينهم 1500 اصيبوا باعاقات دائمة.
واستغلت اسرائيل لجوء بعض القوى في هذه الانتفاضة الى العمليات الفدائية في بناء نظام عنصري كامل. فقد اقامت جدار الفصل، وعزلت مختلف التجمعات السكانية خلف مئات الحواجز العسكرية، ودمرت اجهزة الامن، واغتالت عشرات القادة والنشطاء، وقسمت الضفة الى ثلاثة كانتونات، في الشمال والوسط والجنوب، تفصل بينها ثلاثة معابر هي زعترة والقبة وقلنديا.
عزلت اسرائيل القدس خلف الجدار، واقامت شبكة طرق للمستوطنين فقط يبلغ طولها 1270 كيلو مترا، واقامت شبكة من الانفاق تخدم المستوطنين ايضا ضمت 48 نفقا.
وقد اندلعت الانتفاضة عقب فشل مفاوضات الحل النهائي في منتجع «كامب ديفد» في الولايات المتحدة الاميركية بين الرئيس الفلسطيني الراحل ياسر عرفات ورئيس الوزراء الاسرائيلي ايهود باراك في يوليو عام 2000.
فقد طالب عرفات في تلك المفاوضات باقامة دولة فلسطينية مستقلة على كامل الاراضي المحتلة عام 67، وعاصمتها القدس الشرقية، مع سيطرة فلسطينية كاملة على الحرم القدسي الشريف «المسجد الأقصى». وابدى عرفات مرونة في ضم الكتل الاستيطانية في الضفة ضمن «تبادل اراض» بين الدولتين.
وابدى ايضا مرونة في حل مشكلة اللاجئين ضمن صفقة «مساومة تاريخية» تتيح عودة رمزية لعدد متفق عليه منهم مقابل اقامة الدولة الفلسطينية المستقلة التي ستصبح وطنا لجميع الفلسطينيين، كما هي اسرائيل وطن لجميع اليهود؟
لكن باراك رفض ذلك عارضا، بالمقابل، اقامة هذ الدولة على حوالي 90 في المئة من الضفة وقطاع غزة، وفق روبرت مالي احد مساعدي الرئيس الاميركي بيل كلنتون الذي رعى المفاوضات.
وبعد سبع سنوات من الدماء والدمار والدموع وجد الفلسطينيون انفسهم ابعد كثيرا عن الدولة مما كانوا عليه عند اندلاع الانتفاضة في سبتمبر عام 2000. فقد عزلت اسرائيل حوالي عشرة في المئة من مساحة الضفة خلف الجدار.
وعزلت ايضا كامل القدس الشرقية، بعمق 14 كيلومترا في اراضي الضفة، ضامة اليها ثلاثة تجمعات استيطانية كبيرة هي بسغوت وبسغات زئيف ومعاليه ادوميم.
فشلت الانتفاضة في تحقيق اهدافها بسبب عدم وجود قيادة واهداف موحدة لها. فانتفاضة شعبية من هذا النوع تطلبت وجود مؤسسة-قيادة موحدة- واهداف موحدة ايضا.
وفي الحال الفلسطيني كان هناك فصائل كثيرة، وكل واحدة منها كانت لديها اجندة مختلفة عن الأخرى.غير ان استمرار الضغط الاحتلالي والتوسع الاستيطاني قد يعيد تفجير انتفاضة أخرى باشكال مختلفة عن تلك التي شهدتها انتفاضة الاقصى.
رام الله - محمد ابراهيم