يردد المؤلف في مستهل هذه الحلقة أصداء اتهامات وجهت إلى الرئيس الأميركي باراك أوباما بأنه رئيس ضعيف يخشى الحرب ويرتعد من استعمال القوة العسكرية، وذلك في ضوء إصراره على أن تكون الاستراتيجية الأميركية في أفغانستان هي استراتيجية خروج وليس المزيد من التورط في الحرب على الإرهاب كما أراد جنرالاته.
وبالمقابل ينقل بوب وودوارد عن أوباما تأكيده خلال حوار أجراه معه أن أميركا قادرة على احتواء أي هجوم إرهابي آخر حتى ولو كان أقوى من هجوم الحادي عشر من سبتمبر، وإشارته في الوقت نفسه إلى أن وقوع أسلحة نووية في أيدي الإرهابيين وتفجير مدينة أميركية كبرى بأسلحة التدمير الشامل قد يغير أصول اللعبة السياسية، وأن هذا هو السيناريو الذي تعمل إدارته على الحيلولة دون وقوعه.
وأشار المؤلف كذلك إلى حيرة الرئيس الأميركي بين سياستي العصا والجزرة في التعامل مع باكستان، خاصة في ضوء تردد إسلام أباد في احتضان السياسة الأميركية والمراهنة عليها حتى آخر المدى، حيث ان المؤشرات تؤكد أن الشاغل الأكبر لصانعي القرار الباكستانيين هو على الدوام العلاقة الشائكة والصدامية مع الهند.
بعد قراءة الصفحات الأولى من كتابه «حروب أوباما»، ستكتشف أن مؤلفه بوب وودوارد ربما قصد شيئا آخر في عنوان الكتاب غير حربي أوباما في أفغانستان والعراق.
ومع الاستغراق في القراءة، ستدرك أنه ربما قصد حروب أوباما داخل البيت الأبيض ووالصراع بين جنرالات الجيش والمدنيين في سلسلة القيادة، وخلافات رجال إدارته حول التعامل مع هاتين المعركتين، والانقسامات التي ظهرت بوضوح عندما حاول الرئيس باراك أوباما تطوير استراتيجية الحرب في أفغانستان، وأراد بعض مستشاريه وقادته العسكريين تغيير المهمة من سحب القوات إلى مهمة مكافحة الإرهاب، وتخصيص مزيد من الموارد والافراد لهذه المهمة الجديدة.
وفي النهاية وافق أوباما على إرضاء كلا الطرفين، أي على طلب زيادة عدد القوات الأميركية هناك، وفي الوقت نفسه على أن سحب القوات سيعتمد على «الظروف القائمة»، وستخضع لجدول زمني.
وقد ظهر بوب وودوارد، أخيرا، على شاشة إيه بي سي الأميركية، ليقول إنه لم يقصد أن يزعج الرئيس أوباما بكتابه، كما أنه أيضا لم يفكر أصلا عما إذا كان الكتاب سينال رضاه أم لا.
لكن المؤكد أن بوب وودوارد عزز الشكوك من خلال الأقوال التي نقلها بالحرف الواحد لأوباما ولكبار مساعديه على امتداد صفحات الكتاب من أن الرئيس ادرك مبكرا أن النصر لن يتحقق للولايات المتحدة في أفغانستان «لأسباب سياسية تستعصي على الحل»، وأن الانسحاب المشرف سيتم في أقرب وقت ممكن.
اتهامات لأوباما
ونقل الكتاب عن الجنرال دوغلاس لوت، والمبعوث الخاص ريتشارد هولبروك، وهما من كبار مستشاري الرئيس الأميركي قولهما «إن قرار زيادة القوات الأميركية في أفغانستان لن يحقق الغرض منه».
كما أنه نقل عن أوباما نفسه في اجتماع عقده مع وزيرة خارجيته هيلاري كلينتون ووزير دفاعه روبرت غيتس، قوله لهما «إنني لن أقوم ببناء دولة في أفغانستان على المدى الطويل، ولن أنفق تريليون دولار هناك، وانه من مصلحة أمننا القومي أن ننسحب من هناك بأسرع ما يمكن».
لكن على الجانب الآخر، هناك جناح اليمين الذي يرى في أوباما صورة الرئيس الضعيف الذي يقع في خلاف مع الجيش، ويشعر بعدم الراحة والتوتر من استخدام القوة العسكرية، وهو ما لاحظه على بعض كبار قادته العسكريين، عندما تردد كثيرا في اتخاذ قراره الخاص بزيادة عدد القوات الأميركية في أفغانستان.
فلقد كان أوباما يخشى من أن يسيء رجال «بنتاغون» فهم قراره بالموافقة على زيادة عدد الجنود، ولذلك صاغ رؤية من ست صفحات حدد فيها أهداف قواته العسكرية هناك، وذلك، لتجنب مزيد من الضغوط التي قد يمليها عليه كبار القادة العسكريين الراغبين في إرسال مزيد من القوات إلى أفغانستان لمكافحة تنامي النشاط المتزايد للقاعدة وطالبان.
استعدادات أميركية
ويكشف بوب وودوارد في كتابه عن جانب آخر من أسلوب الرئيس الأميركي، وذلك من خلال تسجيل خاص بمقابلة أجراها معه حول موقف أوباما من إمكانية وقوع هجوم آخر على الأراضي الأميركية مماثل من حيث قوته لهجمات 11 سبتمبر.
يقول أوباما في حواره مع مؤلف الكتاب «سوف أقدم لك مثالا واحدا فقط قد يبدو بعيدا ولكنه في صميم الموضوع. وقد سبق أن ذكرته عندما كنت سيناتورا، وعندما كنت كمرشح رئاسي في الحملات الانتخابية، وأيضا مازلت أعتقد بشأنه إلى الآن وأنا رئيس لهذا البلد.
نحن بإمكاننا أن نحتوي أي هجوم إرهابي آخر، حتى لو كان اقوى من هجوم 11 سبتمبر، وسنبذل كل ما في وسعنا لمنع مثل ذلك الهجوم، فنحن الآن اقوى، وشعبنا قوي بشكل لا يصدق.
لكن الذي قد يغير من أصول اللعبة السياسية هو وقوع أسلحة نووية في أيدي الإرهابيين، وتفجير مدينة من المدن الكبرى الأميركية بأسلحة الدمار الشامل. وهنا فإننا نعمل على منع وقوع مثل هذه الأحداث، وعلى التعامل معها حتى لو كان نسبة حدوثها بعيدة للغاية».
وحول طول أمد الحرب، يقول أوباما في حواره وهو يضحك «دعني أقتبس من المأثورات الأميركية.. الحرب هي الجحيم.. وحالما يتم إطلاق العنان لكلاب الحرب، فأنت لا تعرف أين تتساقط طلقات الرصاص. لقد كان لدينا عندما دخلت المكتب البيضاوي، حربان دائرتان في الوقت نفسه، وكل ما كنت أحاول القيام به هو إضفاء قدر من الوضوح على هذه الفوضى».
وحول تطور أساليب الإرهاب، قال أوباما «إن ماتراه حاليا هو محاولات تنظيم القاعدة الانتشار حيث تسعى مجموعات فضفاضة إلى تجنيد وتدريب متطوعين لشن هجمات.
صحيح أن لديهم الطموح، لكن هجماتهم لن تكون على غرار 11 سبتمبر، بيد أنه من الواضح ان مقدرتهم غير عادية، ذلك أن رجلا واحدا وقنبلة واحدة في مترو الأنفاق أو في التايمز سكوير بنيويورك يمكن أن تثير صدمة غير عادية في أرجاء الوطن.. وهذا ما يجعل مهمتنا أصعب لأن هذا يعني أن المعلومات التي نحتاجها للقضاء على تلك الشبكات لابد أن تكون أكثر دقة وأكثر تحديدا، وجميعها تحديات هائلة».
كما أن أجهزة الاستخبارات الأميركية تشعر بالقلق إزاء ارتفاع مستوى التكنولوجيا المستخدمة من قبل مجموعة عسكر طيبة الإرهابية التي نفذت هجمات مومباي بالهند. لقد نجحوا في استعمال الهواتف عبر شبكات الإنترنت واستخدام أحدث معدات التشفير المتاحة تجاريا.
معادلة الضحايا
ويخصص مؤلف الكتاب قسما خاصا من كتابه لمحاولات الرئيس أوباما كسب ود الحكومة الباكستانية التي يقودها الرئيس آصف علي زرداري، بالرغم من أن أوباما يبدو مضطربا ومشوشا بشأن موقف الباكستانيين بشأن مجموعة من القضايا، ويخلط دائما بين حقيقة النوايا الباكستانية نحو نقطتين في غاية الأهمية، وهما قراره بزيادة القوات في أفغانستان والذي اتخذه في مارس الماضي، والتوسع الهائل في عمليات سرية في باكستان.
ويكشف بوب وودوارد عن مفاجأة بإذاعة تفاصيل حوار دارت بين الرئيس الباكستاني واحد كبار القادة العسكريين في إدارة أوباما، حيث يتساءل الرئيس الباكستاني آصف على زرداري مستنكرا «إنكم تقلقون جدا لوقوع ضحايا، أما أنا فلا يقلقني ذلك أبدا».
وحتى يضمن أوباما كسب ود باكستان واستجابة لنصائح كبار مستشاريه العسكريين بالالتزام بشراكة عميقة وطويلة الأمد مع باكستان، فقد قدم الإغراءات والمساعدات لها مرة تلو المرة منذ وصوله إلى البيت الأبيض.
لكن التحدي الذي واجهه أوباما تمثل في الباحث بمركز بروكينغز للدراسات الاستراتيجية بروس ريدل، والذي جلبه أوباما كشخصية رئيسية في إدارته بعد شهرين من بداية توليه مهام منصبه كرئيس للولايات المتحدة.
العصا والجزرة
لقد نجح ريدل في اقناع أوباما بأن المتشددين في باكستان يمثلون اكبر تهديد للأمن القومي الأميركي، وشارك بنفسه في تسليح الجيش الباكستاني لمكافحة التمرد وزيادة أشكال المعونة الاقتصادية للحكومة الباكستانية.
وكان من رأي ريدل أن وجود حكومة مدنية قوية في باكستان يضمن السيطرة على المؤسسة العسكرية والمخابرات في اسلام اباد. بل إنه وصف رئيس أركان الجيش الباكستاني الجنرال أشفق برفيز بأنه كذاب فيما يخص تورط وكالة الاستخبارات السرية المشتركة في تقديم خدمات لعناصر حركة طالبان، ونجح ريدل في إقناع مدير الاستخبارات الوطنية دينيس بلير بذلك.
وكان دينيس بلير يعتقد أن ادارة أوباما قدمت إلى باكستان كثيرا من ساسة الجزر، دون أن تكون هناك عصاة واحدة. ودافع بشدة عن شن هجمات بالقنابل والصواريخ داخل الأراضي الباكستانية حتى دون الحصول على اذن من اسلام اباد، وقال لأوباما في احد اجتماعاته معه «سوف يكون رد فعلهم كالسكران، لكنهم في النهاية سوف يتعودون على ذلك».
كاتب الرسالة
ومع ذلك اختار أوباما نهجا أقل تصادميا، وقال لمستشاريه وقت استعراض الاستراتيجية الأولية في مارس 2009: « علينا أن نقترب أكثر من المدنيين والعسكريين ورجال المخابرات في باكستان، وان نقنع القيادة الباكستانية بأهدافنا.
وعندما اتخد أوباما قراره بزيادة عدد القوات في أفغانستان وعرف ذلك من مستشاريه أنه سيتم بالتوازي مع ذلك زيادة عدد الضربات الجوية التي تقوم بها الطائرات بدون طيار على أهداف في باكستان، حاول اباما تجميل الصفقة مع الباكستاني، وربط نجاح مهمته في أفغانستان بحادث مصرع رئيسة وزراء باكستان السابقة بنازير بوتو.
وأرسل خطابا إلى زرداري حمله مستشار مكافحة الإرهاب جون برينان، قال فيه «إنني أتكلم معك الآن على المستوى الشخصي، وأحب ان تتأكد من أن التزامي بإنهاء هذه الحرب هو مثل التزامي بالدفاع عن أمن أسرتي كما هو دفاع عن أمن أسرتك».
وكشف الرد الذي بعث به زرداري على رسالة أوباما صحة الشكوك داخل الادارة الأميركية من أن باكستان مازالت مترددة في احتضان السياسة الأميركية والمراهنة عليها، فقد كان الشاغل الأكبر لإسلام أباد دائما هو علاقاتها مع الهند.
ويقول مؤلف الكتاب ان هناك اعتقادا داخل الإدارة الأميركية بأن الرسالة الباكستانية مكتوبة من قبل الجيش الباكستاني والمخابرات الباكستانية، وليس من قبل زرداري نفسه، لكنها في نهاية المطاف تعني قبول عرض أوباما.
الحلقة: ( 3)
الكتاب: حروب أوباما
تأليف: بوب وودوارد
الناشر: سيمون أند شوسر، نيويورك، 2010
عدد الصفحات: 464
عرض ومناقشة: طارق فتحي/ نيويورك
