بعد السقوط الأول لبند تمويل المحكمة الدولية الخاصة بلبنان في لجنة المال والموازنة النيابية للعام الحالي، تعثّر بند تمويل هذه المحكمة عن السنة المقبلة في مجلس الوزراء أول من أمس بعد الانقسام الواضح في الموقف حياله بين وزراء المعارضة من جهة وبين رئيس الحكومة سعد الحريري وفريقه، ومعه وزيرا اللقاء الديمقراطي (الذي يرأسه النائب وليد جنبلاط) وائل أبوفاعور وأكرم شهيب.
وكانت الجلسة الاستثنائية لمجلس الوزراء، والثانية من نوعها التي خصّصت لدراسة موازنة العام 2011، عكست أجواء الانقسام السياسي حول المحكمة الدولية، ما دفع بالرئيس الحريري إلى تجنّب طرح بند تمويلها على التصويت، وذلك بعدما استحضر وزيرا المعارضة محمد فنيش وحسين الحاج حسن الموجبات السياسية ذاتها التي استند إليها نواب المعارضة في اللجنة المالية لإسقاط بند التمويل من موازنة الـ2010.
لمحكمة يعتبرها حزب الله بأنها «لا تسعى إلى كشف حقيقة من اغتال الرئيس رفيق الحريري، بل إلى تحقيق مصلحة أميركية إسرائيلية تتمثل في استهداف المقاومة بعد العجز عن مواجهتها عسكرياً»، حسب قول عضو كتلة الوفاء للمقاومة النائب نوار الساحلي.
وأشارت أوساط حزب الله لـ «البيان» إلى موقف الحزب الرافض لتمويل محكمة «تسعى إلى إحداث فتنة في لبنان، من خلال قرار ظنّي يجري التحضير لإصداره ويستهدف المقاومة»، لافتة إلى أن حزب الله أضاف «مطلب اتهام إسرائيل باغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري إلى جانب التحقيق مع شهود الزور».
وفي المحصّلة، وبعدما تكتّل وزراء المعارضة اعتراضاً على بند التمويل، فيما وقف وزراء «فريق 14 آذار» إلى جانب رئيس الحكومة الذي كان شديد الحماسة إلى إقرار هذا البند، من زاوية التمسّك بالمحكمة التزاماً بمقرّرات الشرعية الدولية.
فضلاً عن أن المحكمة سبق أن تمّ الاتفاق عليها بالإجماع في طاولة الحوار ومن شأنها تحقيق العدالة، قرّر الرئيس الحريري تأجيل التصويت ريثما يعود رئيس الجمهورية ميشال سليمان من رحلته الأميركية.. علماً أن الوزيرين أبو فاعور وشهيب اصطفّا إلى جانب وزراء «فريق 14 آذار» من زاوية اعتبارهما أن الموضوع يحلّ بالسياسة، وليس بوقف التمويل.
زيادة نفقات
وبلغة الأرقام، فإن زيادة طرأت على نفقات المحكمة في 2011، بنسبة 33.7 في المئة مقارنة بنفقات 2010، أي بقيمة نحو 18.6 مليون دولار، فيبلغ مجموع نفقات المحكمة الدولية للعام المقبل نحو 73.9 مليون دولار، يسدّد منها لبنان، بحسب قرار مجلس الأمن، 49 في المئة، أي نحو 36.2 مليون دولار.
تأجيل ينتظر سليمان
وكان وزير العدل إبراهيم نجار لفت أمس إلى أن مناقشة بند تمويل المحكمة الدولية الخاصة في لبنان تأجّل لحين عودة الرئيس ميشال سليمان إلى لبنان من جولته الخارجية في أميركا اللاتينية، مشيراً إلى أنه «لا يمكن للبنان أن يتنصّل من التزاماته الدولية، حتى ولو تغيّرت الحكومة والأكثرية النيابية وحصل إجماع على ذلك».
وفي هذا السياق، أوضح مصدر سياسي معني بملفّ تمويل المحكمة أن مساعي ستبذل، خلال الساعات القليلة المقبلة، سعياً إلى إيجاد مخارج لمسألة تمويل المحكمة، وذلك «لئلا ينزلق الوضع الحكومي نحو متاهة خلافيّة وصدام محتّم في حال أصرّ وزراء المعارضة على موقفه في تعطيل التمويل».
منبّهاً إلى «محظورين» متعلّقين بهذا الملفّ، بقوله لـ «البيان»: أولاً، إن تعطيل التمويل يرتّب على لبنان وضعاً بالغ الخطورة حيال الأمم المتحدة والمحكمة الخاصة بلبنان.. وثانياً، إن هذا التعطيل يعتبر تنصّلاً موصوفاً من التزامات البيان الوزاري ومقرّرات الحوار الوطني.
في المقابل، اعتبر النائب نبيل نقولا أن أمام الرئيس الحريري خيارين لا ثالث لهما: «إما القبول بتسوية تقضي برفع التسييس عن المحكمة الدولية، وذلك برفض الاتهام السياسي لحزب الله، وعندها يصبح موضوع تمويل المحكمة مسألة طبيعية جداً، بحيث يسقط الخلاف على هذا البند في مجلس الوزراء..
وإما ترك الأمور في إطار الأزمة، وما ينتج عنها من سجالات وتوتير في الأجواء السياسية في البلاد».
تحية من حزب الله
وتعليقاً على كلام رئيس الجمهورية، كان حزب الله سارع إلى توجيه تحية إليه، عبر رئيس كتلة الوفاء للمقاومة النائب محمد رعد، الذي قال في بيان له إن الحزب «تلقّى بتفهّم وارتياح كبيرين المواقف المسؤولة التي أعلنها رئيس الجمهورية.
وخصوصاً لجهة طلبه من المحكمة الدولية أن تستعيد مصداقيتها بابتعادها عن التسييس، وعدم الاستعجال في قضية لا تحتمل الظن، والأخذ بعين الاعتبار كل الاحتمالات».
من جهته، اعتبر وزير الزراعة حسين الحاج حسن أن هذا الموقف «يساعد على حفظ الأمن والاستقرار، ويمنع على أيادي الدول العظمى أيّ تدخل في الشؤون الداخلية اللبنانية».
وفي حين فضّل وزراء ونواب تيار المستقبل عدم التعليق على موقف الرئيس سليمان، رأى عضو كتلة المستقبل النائب عمار حوري لـ «البيان» أن الرئيس «لم يشكّك في عمل» المحكمة الدولية.
معتبراً أن «لا جديد في موقف رئيس الجمهورية من المحكمة.. وهذا إن دلّ على شيء فإنما يدلّ على أن سليمان يتحدث من باب مسؤول، ولم نسمع في كلامه تشكيكاً في مصداقية هذه المحكمة».
بيروت - وفاء عواد
