اشارت وكالة أخبار «فوكس نيوز»، أخيراً، إلى أن 58% من الأميركيين يعتقدون أن الولايات المتحدة لم تجاف الصواب في شن الحرب على العراق، وهذا يعكس حقيقة مفادها أن معظم هؤلاء الذين جرى استطلاع رأيهم قد تم إقناعهم بأن الحرب قد انتهت فعلياً، وأن القوات الأميركية المرابطة هناك عادت إلى بلادها، بعد أن أزالت النظام الدكتاتوري، وأسست نظاماً ديمقراطياً.
لا أعلم مقدار صحة الإحصائية السابقة، لكن يتملكني شعور داخلي بأنها دقيقة إلى حد كبير، وأنها محبطة بشكل أكبر، فهل نسي هؤلاء الناس أن الولايات المتحدة خاضت هذه الحرب بالأساس لتدمير أسلحة الدمار الشامل المفترض أنها موجودة في العراق، وإنهاء تحالفها المزعوم مع تنظيم القاعدة؟
هل نسي الأميركيون طروحات إدارة بوش التي كانت تبث الرعب في نفوس الناس، التي كانت تلمح إلى احتمال تعرض مدينة نيويورك لضربة نووية، وكل أنواع التهديدات الأخرى، مع تأثر تلك الإدارة بشكل واضح بالفكر الأورويلي في تناوله للدولة الدكتاتورية ومعطياتها؟
هل نسي الأميركيون أن قوات التحالف لم تجد أسلحة دمار شامل في العراق، وأن لجنة الكونغرس توصلت إلى أنه لا توجد روابط بين الرئيس العراقي السابق صدام حسين وتنظيم القاعدة؟
ألا يذكرون الجو العام الذي وصفه آنذاك السناتور جون روكفلر بالقول: «إن ادعاءات الإدارة الأميركية بوجود علاقات تربط العراق بتنظيم القاعدة غير صحيحة، لا في الماضي ولا الحاضر ولا المستقبل، ولم يكن هدف تلك الادعاءات سوى استغلال حس الناس العميق بالافتقار إلى الأمن الذي ساد في أوساط الأميركيين في أعقاب هجمات 11 سبتمبر»؟
بعد أحداث 11 سبتمبر مباشرة بدأت الولايات المتحدة تخطط لخوض حربها على العراق، وكانت تتولى أمر التخطيط لتلك الحرب مجموعة من المحافظين الجدد في مكاتب وزارة الدفاع وفي مكتب نائب الرئيس الأميركي، وتذكروا أن ديك تشيني كان أقوى نائب رئيس عرفته الولايات المتحدة.
فقد كان تأثيره على جورج بوش عظيماً، كما أنه ترأس المكتب الانتقالي الذي كانت مهماته تقضي باختيار كبار المسؤولين، فقام، في أعقاب انتخابات عام 2000، بزرع المحافظين في كل أرجاء الإدارة الأميركية، لدرجة أصبح يتمتع معها المحافظ الجديد بول ولفوويتز، نائب وزير الدفاع الأميركي، بصلاحيات تعادل صلاحيات مديره، وزير الدفاع دونالد رامسفيلد، وكان جل همه إعداد العدة للحرب على العراق في أعقاب أحداث 11 سبتمبر.
رامسفيلد صرح في اليوم التالي لأحداث 11 سبتمبر بأن الولايات المتحدة ستهاجم العراق، لأن أفغانستان لا توجد فيها أهداف إستراتيجية، وأُعلن لاحقاً أن 2 فقط من منفذي عملية 11 سبتمبر فقط تدربوا في أفغانستان، بينما لم يشارك أي عراقي في العملية، وكتب رامسفيلد رسائل لمعاونيه طلب فيها منهم أن يجمعوا أكبر قدر من المعلومات عن العراق.
ويدرسوا خيار ضرب نظام صدام حسين في الوقت نفسه الذي يحاربون أسامة بن لادن، وقال لمعاونيه: «دمروا العراق سواء كان له أي ارتباط بـ 11 سبتمبر أم لم يكن»، حتى إن مستشارة الأمن القومي الأميركي آنذاك كوندوليزا رايس أقرت بأن أحداث 11 سبتمبر فتحت الآفاق للمزيد من الفرص الأميركية في العالم.
وفي الوقت نفسه، استدعى بوش ريتشارد كلارك، مستشار شؤون مكافحة الإرهاب في الإدارة الأميركية، وبنبرة وصفها كلارك بالتخويفية، وسأله عما إذا كان العراق قد فعل ذلك، وعندما رد عليه كلارك بأن العراق لا علاقة له بتلك الأحداث، طلب منه بوش بحزم أن يختلق رابطاً بين الإرهاب والعراق بأي شكل كان، وبعدها ادعت الإدارة الأميركية أن العراق هو من كان يقف وراء هجمات الجمرة الخبيثة، لكنه في الحقيقة لم يكن كذلك.
وعندما عجزت الاستخبارات عن بناء أي رابط بين العراق والقاعدة، سارع ولفوويتز إلى تعيين إبرام شولسكي ودوغلاس فيث، وهما من المحافظين الجدد، وطلب منهما تأسيس «مكتب الخطط الخاصة» في «بنتاغون» لتلفيق أدلة تثبت تورط العراق بعلاقات مع تنظيم القاعدة، وامتلاكه أسلحة دمار شامل.
وفي الحقيقة فإن كل الإدعاءات التي سوقوا لها كثيراً، مثل وجود مختبر للأسلحة الكيميائية في العراق، ومركز تدريب عناصر القاعدة على الطيران، وشراء اليورانيوم من النيجر.
ورعاية المتشدد الزرقاوي، كانت عارية عن الصحة، ولم تكن سوى أكاذيب أطلقتها الإدارة الأميركية، لكي تهيئ لبوش الأرضية الصالحة لأن يقول في سبتمبر عام 2002 بثقة: «لا يمكنك التفريق بين القاعدة وصدام، فكلاهما واحد».
الهراء الرسمي
عندما تم استدعاء وزير الدفاع كولن باول ليطرح قضية الحرب أمام الأمم المتحدة، ثارت ثائرته معرباً عن سخطه لما سيضطر إلى أن يقرأه أمام الأمم المتحدة، وواصفاً إياه بالقول: «أنا لن أقرأ هذا، فكله هراء».
وربما يكون أكثر الأمثلة وضوحاً حول هذا الهراء ما صرح به ريتشارد بيرل، وهو أحد المحافظين الجدد، عندما قال لصحافي إيطالي عام 2002 إن محمد عطا، أحد المتورطين في أحداث 11 سبتمبر، قابل صدام حسين في بغداد قبل 11 سبتمبر، وأضاف: «لدينا الدليل على ذلك، ونحن متأكدون من أنه لم يكن هناك لقضاء إجازة، وهذا اللقاء الذي تم بين عطا وصدام حسين هو أحد الدوافع التي تدفع الولايات المتحدة لمهاجمة العراق»، لكن الحقيقة تشير إلى أنه لا يوجد أي دليل على ذلك اللقاء المزعوم.
بقلم ـ غاري لوب
ترجمة ـ يوسف جباعته
