انسحبت الوحدات الأميركية القتالية من العراق قبل أسبوعين من الموعد المعلن ، حيث عبر اللواء الهجومي الرابع وفرقة المشاة الثانية الحدود متجهة إلى الكويت في 17 أغسطس الماضي معلناً بذلك انتهاء المهمات العسكرية الأميركية في العراق، ولم يبق في العراق سوى 50 ألفا من القوات الأميركية من المفترض أن تكون مهماتها تدريبية، وهو العدد الأقل لتلك القوات منذ غزو 2003.

غير أن هناك خمس خرافات يتداولها الجميع حول هذا الانسحاب، وهي في الأصل غير صحيحة:

الخرافة الأولى: مع نهاية أغسطس الماضي لم تعد هناك أية قوات قتالية في العراق.

وهذه خرافة ينفيها الواقع، حيث إن أغلبية القوات الأميركية الباقية في العراق والبالغة خمسين ألفاً قوات قتالية، ولم يجر سوى تغيير أسمائها، حيث إن الوحدات الرئيسية الموجودة في العراق سيتغير مسماها من «لواء قتالي» إلى «لواء إسنادي واستشاري»، غير أن الوردة بأي اسم آخر تظل وردة، والفرق الهيكلي الذي تم إجراؤه على الألوية قليل جداً، حيث إنها لا تزال في كامل عدتها وعتادها، وجاهزة للقتال في أية لحظة.

الخرافة الثانية: العراق آمن بفضل جهود القوات الأميركية لدرجة أنه لن يقع في أتون حرب أهلية مع انسحاب القوات الأميركية.

وهذه الخرافة أيضاً تتعارض مع الواقع، صحيح أن الوضع الأمني تحسن إلى حد كبير مقارنة مع عامي 2005 و 2006، لكن لا يمكن الجزم حتى الآن بما سيحدث في الأشهر والسنوات المقبلة، فالدراسات المتخصصة في الحروب الأهلية تشير إلى حدوث انتكاسات خطرة.

خاصة مع انهيار نظم الحوكمة التي تدفع التجمعات المختلفة للتقاتل، من أجل الاستحواذ على السلطة، وتشير الدراسات الأكاديمية إلى أن العديد من الحروب الأهلية التي اندلعت القرن الماضي عاودت للاندلاع مجدداً، في غضون خمس سنوات من توقف إطلاق النار.

وفي حال كان البلد يمتلك مصادر ثروات قابلة للنهب، مثل الذهب والألماس والنفط، فإن احتمالات عودة الحرب تكون أكبر، أما الجانب المشرق في الأمر فهو أنه إذا قررت أي من الدول الكبرى أن تؤدي دور حفظ السلام في دولة ما، فإن احتمالات نكوص الدولة إلى الحرب مجدداً تصبح أقل من الثلث، لهذا فإن استمرار الالتزام الأميركي في العراق مهم جداً.

الخرافة الثالثة: الولايات المتحدة تخلف وراءها نظاما سياسيا أعرج.

إذا كان في اليمين من يدعون أن الجهود الأميركية أرست قواعد الاستقرار في العراق، لدرجة أنه يستحيل قيام حرب أهلية بعد ذلك، فهذا غير صحيح، كما أن نظراءهم في اليسار يلحون على حقيقة أن التغيرات، التي جرت على التكتيكات والاستراتيجيات الأميركية عامي 2007 و 2008، لم يكن لها أي تأثير على السياسة العراقية، وهذا الكلام غير صحيح أيضاً.

وسوف يناقش الحزبيون في أميركا أثر الجهود الأميركية في العراق لسنوات مقبلة، وسوف يتولى المؤرخون مهمة التقاتل على الحقيقة فيما بعد ذلك، غير أن الواقع يشير إلى أن السياسة العراقية مرت بتغيرات جوهرية منذ العام 2006، فقد أجبر القادة السياسيون في العراق على تبني الديمقراطية، كما توقف قادة الأحزاب عن التخطيط لقتل منافسيهم، بل صار التركيز منصباً على الحصول على أصوات انتخابية أكثر، وما عاد هناك مجال لترويع الناخبين وتهديدهم، بل صار المنطق الأفضل يدعو إلى إقناعهم.

الخرافة الرابعة: العراقيون يريدون للقوات الأميركية أن تبقى، أو أن تغادر.

ينبغي أن نكون حذرين جداً في التعامل مع هذه المسألة الحساسة، فاستطلاعات الرأي تشير إلى أن عدداً قليلاً من العراقيين يميلون لانسحاب القوات الأميركية من العراق، كما أن عدداً قليلاً منهم يفضلون العكس، أما الأغلبية العظمى فتقف حائرة في الوسط.

الخرافة الخامسة: أن الحرب ستنتهي في موعدها المحدد.

هذه الجملة التي قالها الرئيس الأميركي باراك أوباما مخاطباً ثلة من المحاربين القدامى تثير فينا القلق، فما أن تثور حرب، حتى يصبح من الصعب التحكم بمسارها وإقرار سيناريو لها، وهذا ما تعلمه جورج بوش، ولكن متأخراً.

لكل ما سبق فإن الرئيس الأميركي باراك أوباما كان على حق عندما قال إن الولايات المتحدة ينبغي أن تبقى في العراق، حتى لو تعرضت قواتها للخطر في السنوات المقبلة.

حياة حافلة

يرأس كينيث بولاك قسم الأبحاث والدراسات في مركز سابان للشرق الأوسط بمعهد بروكينغز بواشنطن، ويدرس الشؤون الإستراتيجية بجامعة جورج تاون، وكان بولاك من أشد المؤيدين لحرب العراق، وإسقاط نظام صدام حسين، ويعتبر كتابه «العاصفة المهددة: حالة غزو العراق»، الصادر في شهر أكتوبر عام 2002 أحد أهم الكتب التي روجت للحرب على العراق، وأبرزت ضرورتها للأمن القومي الأميركي، وقد حقق هذا الكتاب مبيعات كبيرة.

كتب بولاك أخيراً دراسة بعنوان «التحول الزمني» وتتعلق بما يجب على الولايات المتحدة أن تتبعه من أجل تحقيق النصر في العراق.

عمل كينيث بولاك سابقاً مديراً لشؤون الخليج بمجلس الأمن القومي خلال فترة رئاسة كلينتون، وقبلها عمل في مجلس الشؤون الخارجية من 2001 ـ 2002، ومحللاً بوكالة المخابرات المركزية الأميركية «سي آي أيه» من 1988 وحتى 1995. ألف بولاك كذلك ثلاثة كتب شهيرة هي «المعضلة الفارسية: الصراع بين إيران وأميركا»، و«العاصفة الخطيرة: لماذا احتلال العراق؟»، و «العرب في الحرب: الفاعلية العسكرية».

بقلم: كينيث بولاك