يبادر المؤلف في هذه الحلقة، إلى إيضاح أن عدم وجود خيارات مشجعة للاستراتيجية الأميركية في أفغانستان كان وراء الانقسام الحاد بين مستشاري الرئيسي الأميركي باراك أوباما وكبار مساعديه الأمر الذي أدى في النهاية إلى انغماسه في تفاصيل القرار العسكري وإلى سيطرة اللغة الصدامية على الحوار بين صانعي القرارات السياسية والعسكرية في الإدارة الأميركية.

ويكشف بوب وودوارد النقاب عن مبادرة الرئيس أوباما في حوار أجراه المؤلف معه إلى انتقاد سلفه جورج بوش في وضع خطة طوارئ استراتيجية يمكن أن تتحرك أميركا وفقاً لها في العراق وأفغانستان الأمر الذي أدى إلى تفاقم الأوضاع في البلدين وتزايد تعقيدها. وشدد وودوارد على اعتبار المسؤولين الأميركيين أن تنظيم القاعدة هو مشكلة باكستانية من الطراز الأول وأن جو بايدن نائب الرئيس الأميركي لم يتردد في القول، عقب زيارته لكل من إسلام أباد وكابول، إن ما توصل إليه خلال مداولاته مع المسؤولين في البلدين قد أعاده إلى أجواء حرب فيتنام، الأمر الذي حدا به إلى مواجهة كبار المسؤولين في باكستان، الذين اتهم بعضهم بأنهم يتعاونون مع تنظيم القاعدة.

الصفحات الأولى لكتاب «حروب أوباما» ومقدمته الوثائقية، تبين بوضوح أن الخطوط العريضة التي أراد الصحافي والمؤرخ السياسي بوب وودوار رسمها في كتابه، ليست جديدة تماماً، ولكن الجديد الذي أضافه، هي تلك التفاصيل التي تصور الصراعات الدائرة في مطبخ صنع القرار داخل إدارة الرئيس الأميركي، في ما يتعلق بالحرب المشتعلة حالياً في أفغانستان، والتحليل السردي المزود بنصوص المقابلات (أكثر من 100 مقابلة صحافية)، والاجتماعات والتصريحات العلنية والسرية التي أدلى بها كبار القادة العسكريين والسياسيين لمؤلف الكتاب خلال فترة العشرين شهراً الماضية.

غياب الخيارات... يبدأ بوب وودوار كتابه بالقول إنه من المعروف على نطاق واسع، على سبيل المثال، عدم وجود خيارات جيدة أو مشجعة للاستراتيجية الأميركية في أفغانستان. وقد أدى ذلك إلى انقسام حاد بين مستشاري الرئيس الأميركي، وأن الرئيس أوباما بنفسه اضطر إلى الانغماس في تفاصيل القرار العسكري، والذي تمخض في نهاية المطاف عن نسخة معدلة من استراتيجية «زيادة القوات» التي أقرها الرئيس الأميركي السابق جورج بوش لتحقيق الاستقرار ولو مؤقتاً على الأقل في العراق. ومن خلال التقارير الشاملة والوصول إلى المصادر ـ بمن فيهم أوباما ـ والوثائق التي كشف عنها الكتاب، يتضح لنا حجم الانقسامات والتلاسن والشتائم والإهانات التي تبادلها كبار قادة هيئة الأركان من جهة، والمستشارين السياسيين للرئيس الأميركي من جهة أخرى في ما يتعلق بالطريق الأمثل والناجع للتعامل مع الوضع العسكري في أفغانستان.

تلاسن وتنابذ

ويقدم بوب وودوارد عدة أمثلة تبين نطاق التراشق اللفظي بين أركان إدارة أوباما. إن المتحدث باسم البيت الأبيض المتحدث باسم البيت الأبيض روبرت جيبس كان منبهراً بالسقوط المذل للجنرال ستانلي ماكريستال، الذي قاد جهود الولايات المتحدة في أفغانستان، خاصة بعد أن وصلته تعليقات مشينة أطلقها القادة العسكريون ضد القيادة المدنية في البيت الأبيض، ومن بينها وصفهم «بأنهم مثل الخنازير في حظيرة».

أما ديفيد اكسلرود المستشار الأعلى للرئيس أوباما والمهندس الرئيسي لفوزه في الانتخابات في 2008، فقد وصفه الجنرال ديفيد بترايوس، الذي يقود الحرب في افغانستان بأن مثله مثل «الطبيب الذي يدور حول نفسه».

وكان مما ذكره أيضاً أنه عندما دخل باراك أوباما المكتب البيضاوي، أكد أنه سيعمل على الفور على الوفاء بوعده خلال حملته الانتخابية في ما يخص أهم قضايا السياسة الخارجية، وهي قضية الحرب في أفغانستان وساعتها قال «أريد أن يفهم الشعب الأميركي» أن لدينا هدفاً واضحاً هو تعطيل وتفكيك وهزيمة تنظيم القاعدة في باكستان وأفغانستان»، لكنه قام بعده بإرسال 21 ألف جندي إلى كابول، وهي أكبر زيادة منذ بدء الحرب في عام 2001.

ثم قام بإقالة الجنرال ديفيد ماكيرنان قائد القوات الأميركية وحلف شمال الأطلسي في أفغانستان ر وعين بدلاً منه رجلًا لا يعرفه هو الجنرال ستانلي ماكريستال. وكانت هذه أول مرة أحد كبار الجنرالات قد أعفي من الخدمة في زمن الحرب في أكثر من 50 عاماً، منذ أقال هاري ترومان الجنرال دوغلاس ماك آرثر في ذروة الحرب الكورية.

خطة طوارئ متصادمة

وحول الحرب ضد الإرهاب، هناك وقائع كثيرة وغريبة تعرض لأول مرة، ويكشفها الكتاب في أسلوب سردي موثق، ومن بينها مثلًا ما يتعلق بتقييم معلومات استخبارية حول القاعدة وطالبان وقيامهما بتجنيد إرهابيين جدد من 35 بلداً لا يحتاجون فيها إلى تأشيرة دخول إلى أراضي الولايات المتحدة الأميركية.

وطبقاً لمعلومات قالها أوباما بنفسه، فإن هناك ما لا يقل عن 20 إرهابياً يحملون جوازات سفر أميركية وكندية وأوروبية، يجري تدريبهم حالياً في ملاذات آمنة في باكستان. وخلال الانتخابات الأميركية التي فاز فيها أوباما بمنصب الرئاسة منذ عامين، تمكنت الوكالات الاستخبارية من القبض على قراصنة صينيين نجحوا في اختراق ودخول أجهزة الحاسب الشخصي للرئيس أوباما ومنافسه في الانتخابات جون ماكين.

وعندما استمع الرئيس أوباما لأول مرة بعد انتخابه لإحاطة عسكرية عن الوضع في أفغانستان، قدمها الأدميرال الاميرال مايكل مولن رئيس هيئة الأركان المشتركة، اكتشف أوباما أن القوات الأميركية تحارب هناك منذ 8 سنوات دون وجود استراتيجية عسكرية واضحة المعالم، كما أن خطة الطوارئ المعدة لشن عمل عسكري ضد إيران تعود إلى أيام الرئيس الأميركي الأسبق جيمي كارتر وهي عبارة عن شن هجمات وقصف قوي لمد 90 يوماً يليها غزو بري شامل.

ضربات ضد إسلام أباد

كما اكتشف أوباما أيضاً أنه لا توجد خطط طوارئ للتعامل عسكرياً مع انهيار باكستان المسلحة نووياً، أو للتعامل مع تنامي نفوذ القاعدة في كل من اليمن والصومال. وكل ما وجده أوباما هو خطة طوارئ أو انتقام جاهزة للرد العسكري الفوري للقوات الأميركية ضد باكستان.

وذلك في حالة حدوث هجمات على الأراضي الأميركية تشبه تلك الهجمات الإرهابية التي حدثت في 11 سبتمبر 2001.

وتقوم الخطة الأميركية على تفجير وإبادة أكثر من 150 مركزاً تدريبياً للقاعدة يقع معظمها في باكستان، ولم تلتفت الخطة إلى تداعيات الموقف العالمي في حالة وقوع ضحايا من المدنيين بأعداد كبيرة عند شن خطة الانتقام الأميركية.

وبعد سرد كل هذه الوقائع يقول بوب وودوارد «إن الرئيس فقد شهيته للتخطيط العسكري وأصبحت قعقعة السلاح هي واحدة من أسوأ السيناريوهات التي قد تواجه البلاد».

وللإنصاف يقول الكتاب إنه تم عقد اجتماع في مجلس الأمن القومي قبل أن يترك جورج بوش منصبه بأيام قليلة واستعرض تقريراً عن الحالة الأفغانية وبتكليف من «قيصر الحرب» اللفتنانت جنرال دوغلاس لوت.

وخلص التقرير إلى أن الولايات المتحدة ليست لديها استراتيجية منسقة في أفغانستان، وأن الحكومة المحلية فاسدة بشكل يائس، وبأن التهديد أكبر بكثير من الاستراتيجية للأمن الأميركي في باكستان.

ويشير إلى إحدى الزيارات السرية التي قام بها نائب الرئيس جو بايدن والسناتور ليندسي غراهام إلى إسلام آباد وكابول، وذلك في وقت مبكر من تولي الرئيس أوباما مهام منصبه في البيت الأبيض.

وفي هذه الزيارة، واجه بادين رئيس باكستان آصف علي زرداري بعلاقة وكالة مخابراته بحركة طالبان والحصانة التي يتمتع بها تنظيم القاعدة والتي تمكن أنصاره من التحرك بحرية داخل البلاد والخروج والدخول من مطار إسلام أباد في أمان تام. وكان واضحاً من هذه الزيارة عدم وجود ثقة كبيرة من قبل نائب الرئيس الأميركي والسيناتور ليندسي غراهام في إدارة الرئيس الباكستاني، وقدرته على معالجة الأمور.

وفي أفغانستان كانت الأوضاع أكثر سوءاً، حيث كانت هناك مواجهة غاضبة مع الرئيس حامد كرزاي. والذي يعاني طبقاً لمعلومات استخباراتية من تقلبات مزاجية حادة وهوس اكتئابي، بالرغم من الأدوية اليومية التي يتناولها. وتحدث نائب الرئيس الأميركي في هذا اللقاء بحدة عن الفساد المنشر بين رجال حكومة الرئيس الأفغاني.

وكان مما نقله على لسان رجال المخابرات الأميركية أنهم «لم يشاهدوا أي عربي في أفغانستان خلال العامين الأخيرين «وبالرغم من كل الأهداف العملية، فلا وجود للقاعدة في أفغانستان».

مشكلة باكستانية

ولعل هذه المعلومات الاستخبارية هي التي أكدت شكوك نائب الرئيس جو بايدن في أن القاعدة هي مشكلة باكستانية بالدرجة الأولى. «إن كل ما رآه بايدن خلال هذه الزيارة إلى إسلام أباد وكابول استدعى في ذاكرته الحرب الأميركية في فيتنام، وأصبح مقتنعاً أكثر من أي وقت مضى بأن الولايات المتحدة قد انزلقت إلى هذا المستنقع».

وبعد المحاولة الفاشلة التي قام بها أحد الأميركيين من أصل باكستاني لتفجير سيارة مفخخة في أهم ميدان بقلب نيويورك وهو «تايمز سكوير»، أوفد الرئيس أوباما مستشاره للأمن القومي جيمس جونز ومدير الاستخبارات المركزية «سي أي ايه» ليون بانيتا إلى باكستان لمواجهة المسؤولين هناك ومطالبتهم بضرورة بذل المزيد من الجهد لإنهاء روابط حكومتهم مع العناصر الإرهابية وللتعامل مع مجلس شورى الملا عمر زعيم طالبان وشبكة حقاني.

وهما «الجهتان الرائدتان في قتل الجنود الأميركيين في أفغانستان». وعاد المسؤولان الأميركيان إلى الرئيس أوباما ليخبراه بأنهما: «لا يعتقدان أن الباكستانيين سيفعلون شيئاً من هذا القبيل». «فالأمر بالنسبة لجيمس جونز مستشار أوباما للأمن القومي، هو عدم القدرة على قطع العقدة المستعصية من حالة الضعف التي تعاني منها الحكومة الباكستانية، كما أن التعامل المزدوج والعداء تجاه الهند يعني مزيداً من الأوجاع لنهج الإدارة الاستراتيجية في أفغانستان.

وأعطت وكالة المخابرات الأميركية «سي اي أيه» الباكستانيين خريطة سرية للغاية للهجمات على مراكز التدريب في مخيم «كام الشام» في شمال وزيرستان. لكن وكالة المخابرات الأميركية اخفت عن الباكستانيين حقيقة أن خمسة أوروبيين كانوا من بين القتلى. ويقول وودوارد إن أكبر تهديد يمثله الإرهاب في الولايات المتحدة يأتي من الغربيين الذين يحملون جوازات سفر أميركية.

تمرد سرطاني

يقول وودوارد «إن مستشار الأمن القومي إذا كان قد وجد نفسه القائد الجديد للجيش على الأرض هناك، فقد كان سيقول لأوباما إن هذه الاستراتيجية هي الصحيحة، ولكنها كانت مبنية على حقيقة أن باكستان ستمضي إلى التحرك قسرا أكثر مما تقوم به حالياً.

خاصة أن حرب طالبان في أفغانستان يتم تحريكها من هذه الملاذات الآمنة، والمئات، إن لم يكن الآلاف، من المقاتلين كانوا يتدفقون عبر الحدود. وفي ظل هذه الظروف لا يمكنك الفوز. أنت لا تستطيع أن تقوم بخطة عكسية لمكافحة التمرد، لأنه أشبه بمرض السرطان في استراتيجيتنا».

وفي مقابلة خاصة لمؤلف الكتاب مع الرئيس الأميركي، أوضح أوباما على الرغم من إبداء بعض التعاطف مع سلفه، فشل جورج بوش في وضع خطة طوارئ استراتيجية.

وقال له «إن الحروب تستهلك الكثير من الطاقة من قبل أي ادارة حكومية، وحتى لو كان أفراده يعملون بشكل رائع. ولكن في وسط الحرب - ولا سيما تلك التي تسير بشكل سيئ، أو كالتي تمتد إلى ثلاث سنوات في العراق، تصبح الأمور أكثر تعقيداً، وهذا يعني أن هناك كثيراً من الجوانب التي يتم تركها دون إتمامها».

المؤلف في سطور

يعد الكاتب والصحافي الأميركي بوب وودوارد، المولود في مارس 1934، من أشهر الكتاب الأميركيين، ويلقب تقليدياً بمفجر فضيحة «ووترغيت» الشهيرة التي أطاحت بالرئيس الأسبق ريتشارد نيكسون. وهو خريج جامعة ييل.

وقد خاض وودوارد حياة صحافية حافلة بالأحداث المهمة، وعمل في «واشنطن بوست» منذ العام 1971. وقد وصف العمل الصحافي الذي نفذه وزميله كارل بيرنشتاين وأدى إلى كشف فضيحة «ووترغيت» بأنه أفضل عمل صحافي في التاريخ بأكمله.

قبل كتاب «حروب أوباما» صدر لوودوارد كتاب «الحرب في الداخل»، وهو الرابع في سلسلة تضم خمسة عشر كتاباً بدأ نشرها منذ سنة 2002 تتميز بقربها الاستثنائي من كواليس إدارة الرئيس بوش، المتسمة عموماً بالغموض، وكشفها عن تفاصيل كثيرة عبر حوارات مباشرة مع صانعي القرار في واشنطن.

الناشر: سيمون أند شوسر، نيويورك، 2010

عدد الصفحات: 464

عرض ومناقشة: طارق فتحي/ نيويورك