سجّل بارومتر الأزمة بين الغرب، تحديدا واشنطن، وإيران؛ هبوطا ملحوظا في درجة حرارته، في الأيام القليلة الماضية.

المؤشرات التي تلاحقت من اللقاءات والتصريحات والاتصالات التي جرت على هامش اجتماعات الجمعية العمومية للأمم المتحدة في نيويورك؛ وضعها المراقبون في هذه الخانة؛ بالرغم من النبرة المتشدّدة التي اتسمت بها كلمة الرئيس محمود احمدي نجاد، أمام الجمعية؛ باعتبارها من لوازم اللحظة.

إشارات الانفتاح باتجاه استئناف الحوار، كانت ملفتة، في الشكل والمضمون؛ من الجانبين. وربما كانت أكثر وضوحا من الجانب الإيراني، الذي حرص على بثّ الرسائل في هذا الاتجاه؛ عبر وفده الرسمي إلى المنظمة الدولية.

خاصة عبر وسائل الإعلام الأميركية؛ التي منحت الرئيس الإيراني مقابلات ولقاءات في أوقات الذروة. رسالته، ان إيران دولة هامة وتاريخية في المنطقة؛ وأنها منفتحة على الحلول والتحاور.

مقاربته ومفرداته، استوقفت المراقبين والمسؤولين؛ لما احتوته من ليونة واستعداد للتلاقي والعودة إلى طاولة المفاوضات، التي قال أنه «لا بديل» عنها، للعثور على صيغة تسوية للملف النووي. هذا الاستعداد الذي أبداه للحوار، رأت فيه إدارة الرئيس أوباما «دليلا جديدا على رغبة إيرانية» للتجاوب مع المساعي والرجوع إلى طاولة المحادثات.

التفسيرات المتداولة في واشنطن، تعزي الانفتاح في الخطاب الإيراني هذا إلى عدة أسباب. أولها، أن «العقوبات الأخيرة التي فرضها مجلس الأمن، بدأت تؤذي» الاقتصاد الإيراني وتزيد عليه الخناق. الأمر، كما يقولون، الذي تسبب بنشوء تذمر داخلي آخذ في التوسع.

يضاف إلى ذلك، أن «هناك خلافات داخلية» تتفاعل على مستوى أهل النظام. تقارير إعلامية كثيرة، تحدثت عن خلافات بين الرئاسة والبرلمان الإيراني. كما بين مواقع قوى داخل النظام.

يضاف إلى ذلك، أن إيران صار بحوزتها كمية كبيرة من اليورانيوم المخصب وبدرجات عالية ـ 20% - حسب بعض التقديرات، لديها كمية كافية للحصول على قنبلتين؛ بعد استكمال تحويلها إلى الدرجة المطلوبة من التصنيع.

لكنها تقديرات تستلهم الأرقام الإسرائيلية وتميل إلى الترويج لها. والمعروف ان تل أبيب لا تكف عن الزعم بأن إيران باتت على مسافة أشهر من صنع القنبلة. في حين، تنسب تقديرات إلى مسؤولين أميركيين، تفيد بأن هذه المدة تزيد عن سنة واكثر. إلى جانب ذلك، أدركت طهران أن صفقتها الثلاثية مع تركيا والبرازيل، تجاوزها الزمن ولم تعد صالحة ولا قابلة للترجمة.

ثم جاء التطور المهم الأخير، الذي تمثل في إعلان موسكو رسميا عن قرارها بعدم تزويد إيران بمنظومة صواريخ أس300. المضادة والتي كانت هذه الأخيرة بأمس الحاجة إليها؛ لتحصين دفاعاتها الجوية.

كل ذلك حمل طهران على تغيير عنوان خطابها. تطور التقطته دول مجموعة الـ 15، للرد بالمثل. وزراء الخارجية الستة الكبار، اصدروا بيانا بعد اجتماعهم في نيويورك؛ اكدوا فيه على التزامهم بالسعي لتسوية «من خلال المفاوضات».

لم يأت البيان على ذكر عقوبات جديدة، في حال عزوف إيران عن الدخول في مفاوضات جدّية. أكتفى بتجديد الدعوة إلى التفاوض «في اقرب وقت». الرئيس أوباما جدّد هو الآخر،هذه الدعوة؛ في خطابه أمام الجمعية العمومية.فضلا عن أن البيت الأبيض يواصل تمرير الرسائل، بان الوقت ما زال متاحا، لتسوية سلمية للملف النووي.

هذه الأجواء جدّدت فسحة التوقعات باحتمال العودة إلى غرفة التعاطي الهادئ وربما الفعال، مع أزمة النووي الإيراني. جهات غير قليلة في واشنطن، تدفع في هذا الاتجاه.لكن في المقابل، هناك شكوك وهواجس اكثر؛ تغذيها جهات عديدة، من عتاة اليمين إلى ابواق إسرائيل. الإدارة حرصت على الظهور بأنها فتحت «النافذة».

مصادرها تتحدث الآن عن ما تسميه «تعامل على دفعات» لبناء الثقة أولا، من باب الاعتقاد بأن الكرة الآن في الملعب الإيراني. وبعد الانعطافة الروسية الأخيرة، صارت المراهنة الأميركية أكبر على عودة مياه الحوار إلى مجاريها.

واشنطن ـ فكتور شلهوب