لم تشهد مدرسة «بولي شاركي» الثانوية الأفغانية، ذات الصفوف الدراسية الصغيرة المتداعية، قدراً من الفظاظة والرعونة في التعامل كذلك الذي شهدته يوم الانتخابات البرلمانية التي أجريت أخيراً في أفغانستان، عندما تبادل مسؤولو الانتخابات والشرطة السباب مع الناخبين المدنيين، ووصل الأمر إلى حد الاقتتال.

كان هناك 800 من عناصر الجيش الأفغاني في المدرسة، التي تقع على أحد أطراف العاصمة الأفغانية كابول، في الوقت الذي حضر فيه عشرات من المدنيين للإدلاء بأصواتهم، حيث تم تخصيص سبع غرف من صفوف المدرسة للمقترعين.

خالق نور، أحد السكان المحليين كان يبدو عليه الحنق مما يجري، وبادر إلى القول: «هؤلاء الجنود ما حضروا إلى هنا إلا ليمنعونا من التصويت لمرشحي البشتون»، قالها وهو يشير بحنق لصف طويل من جنود القوات الخاصة الأفغان وهم يعتمرون قبعاتهم الحمر المعتادة، وأضاف: «في المناطق غير الآمنة في الجنوب، لا يستطيع الناس التصويت خوفاً من القاعدة، أما في كابول فلدينا قاعدة داخلية تمنعنا من التصويت».

في مركز اقتراع آخر قريب من المدرسة متمثل في مسجد ومدرسة دينية، أقبل الناخبون على الاقتراع بانتظام، وبعد أن أدلوا بأصواتهم، اتجهوا إلى أماكن الوضوء القريبة ليزيلوا آثار الحبر الدائم عن سباباتهم اليمنى.

حيث أصبح هذا الإجراء تقليداً سارياً في الانتخابات الأفغانية، التي يشرف عليها هذا العام رئيس بعثة الأمم المتحدة، ويقصد من هذا الإجراء منع الناخبين من التصويت مرتين أو أكثر، لهذا يلجأ القائمون على الانتخابات لاستخدام نوع من الحبر تصعب إزالته مباشرة، وفي مدرسة سراج العلوم الدينية لم يكن الماء وفرك الإصبع بالجدران الإسمنتية كافياً لإزالة الحبر العنيد.

وهذا ما أثار مخاوف بعض الناخبين، مثل العامل أحمد خالد القادم من ساروبي، وهي على بعد سفر ساعة بالسيارة من كابول، حيث حاول إزالة الحبر بكل الوسائل قبل عودته إلى البيت مبدياً خوفه بالقول: «إذا أمسك بي رجال طالبان وأنا على هذه الحال فإنهم سيقتلونني أو سيقطعون إصبعي».

وقدرت «مؤسسة الانتخابات الحرة النزيهة» أعداد مراكز الاقتراع، التي افتتحت في وقت متأخر، بـ1584 مركزاً، كما نوهت إلى أن مقاطعات كاملة عانت من عدم وجود طاقم موظفات انتخابات نسائي.

ما جعل من المستحيل على معظم النساء في المناطق المحافظة الحضور للتصويت، ورصدت المؤسسة 224 تهديداً جدياً تعرض له الناخبون في الساعات الأولى من الانتخابات، سواء من طرف المتشددين أو سماسرة الحرب أو المرشحين أنفسهم.

لكن رغم استمرارية العنف وحالة الفساد، فإنه يمكن القول ان الانتخابات، وهي الرابعة على المستوى الوطني منذ عام 2001، تمت بنجاح، غير أنه نجاح نسبي، وهذا يعود لأن الحكومة الأفغانية وداعميها الدوليين وضعوا معايير منخفضة جداً للنجاح.

الرئيس الأفغاني حامد قرضاي لم يفته في هذه المناسبة أن يقلد لهجة معظم الدبلوماسيين الغربيين بالقول إنه على الرغم من حتمية وقوع بعض «المخالفات» فإن عملية اختيار 249 نائباً في البرلمان ليست أسوأ من نظيرتها في العام الماضي.

وهذا قول حق يراد به باطل، فالكل يتكئ على انتخابات العام الماضي ليثبت نجاح انتخابات العام الحالي، حيث كان يوم 20 أغسطس عام 2009 من أكثر الأيام عنفاً في تاريخ أفغانستان، وكان الإقبال على التصويت من جانب الناخبين ضعيفاً للغاية.

كما تمت سرقة أكثر من مليون صوت، معظمها تم تخصيصه لقرضاي، لهذا فإن التقارير الواردة عن العنف والفساد هذا العام أقل وطأة من العام الماضي، وبالنظر إلى كل تلك المقاييس يمكن القول إن انتخابات العام الحالي تعتبر نجاحاً وتقدماً في العملية السياسية.

وأعلنت «طالبان» في بيان تم إرساله بالبريد الإلكتروني إنها هاجمت 150 مركز اقتراع في أنحاء متفرقة من أفغانستان، بما فيها مقاطعة تاخار الشمالية، حيث ادعت أنها قتلت ثلاثة من رجال الشرطة.

وجرحت أربعة آخرين، وقد تم إغلاق 153 مركز اقتراع لأسباب أمنية، بحسب «لجنة الانتخابات المستقلة»، بالإضافة إلى ما يزيد على 900 مركز اقتراع لم يتم فتحها على اعتبار أنها تقع في مناطق تصنف بأنها خطرة جداً.

غير أن شرعية البرلمان الجديد لن تتحدد في غضون أيام قليلة، بل ستستغرق أسابيع وربما شهوراً، وستتأثر كثيراً شرعية هذا البرلمان إذا ثبت وجود تزوير في نتائج الانتخابات، وهذا ما ستحاول التيقن منه لجنة الانتخابات المستقلة.

أدلة ومؤشرات

حتى لو ثبت أن معدل التزوير في الانتخابات الحالية كان أقل من انتخابات العام الماضي، فإن من المؤكد أن إقبال الناخبين هذا العام على التصويت أضعف من العام الماضي، ففي العديد من مراكز الاقتراع في كابول كان عدد موظفي الانتخابات وأزلامها أكبر من عدد الناخبين أنفسهم.

ناهيك عن أنه كان هناك الكثير من الأدلة والمؤشرات الدالة على وجود حالات تزوير، مثل اكتشاف سيارة في إقليم باكتيا الشرقي تحمل 1600 بطاقة انتخابات مزورة.

بقلم ـ جون بون