ربما لا تكون عملية تجميد إنشاء المستوطنات الإسرائيلية في الضفة الغربية هي أكبر العقبات أمام نجاح محادثات السلام الفلسطينية الإسرائيلية. فالعائق الأكبر بحق هو استبعاد حركة حماس التي تسيطر على قطاع غزة من تلك المحادثات، رغم ما لها من تأثير قوي ونفوذ سياسي في الداخل الفلسطيني. وقد أثبتت الحركة مرارا قدرتها على التأثير في سير المحادثات.
وبينما يرى مسؤولو السلطة الفلسطينية في رام الله أن المحادثات هي طريقهم لتحقيق هدف إقامة الدولة الفلسطينية المستقلة، ترى حماس أن المقاومة هي طريق النصر.
وإذا كانت إسرائيل جادة في التوصل إلى حل من خلال المفاوضات، فلا يمكن لها أن تتجاهل حماس، ولا بد من أن تتفاهم معها بطريقة ما، خاصة أن حماس أظهرت في السنوات الأخيرة أنها أكثر مرونة من غيرها من الحركات، ومنها «القاعدة» مثلا، وأنها مستعدة للتوصل إلى حلول وسط.
مواقف أميركية
برغم محورية حركة حماس ودورها بالنسبة لأمن إسرائيل، والسياسة الفلسطينية، لا تزال الإدارة الأميركية الحالية تتشبث إزاءها بسياسة إدارة الرئيس الأميركي السابق جورج بوش، التي تبلورت بعد فوز حماس على حركة فتح في الانتخابات العامة للعام 2006.
والتي شكلت على اثرها حماس الحكومة الفلسطينية. بعد هذا الفوز التاريخي الذي حققته حماس ديمقراطيا، قررت أميركا وعدد من الدول سحب معونات التنمية المخصصة للفلسطينيين، لإضعاف موقف حماس، وكثفت الضغوط عليها حتى حدثت المواجهة بين حماس وفتح، والتي انتهت بسيطرة حماس على غزة.
وباشرت إسرائيل على الفور، وبدعم أميركا والدول الغربية، عملية حصار مشدد لقطاع غزة. ورفضت تلك القوى التحدث إلى حماس أو التفاوض معها، على أمل أن تنهار وتسلم السلطة في غزة إلى فتح من جديد. لكن العزلة والحصار فشلا، وأصبحت حماس، اليوم، أقوى بكثير.
إدارة الرئيس الأميركي باراك أوباما، وقد وجدت نفسها في هذا الوضع الذي لم تختره بنفسها، واصلت سياسة الضغط والحصار لعزل حماس وإضعافها، رافضة الدخول في محادثات مع الحركة، ومتغاضية عن اعتداءات إسرائيل عليها.
كما أن سياسة إسرائيل إزاء الحركة لا يزال يحكمها الماضي. واستمرار المقاومة من جانب حماس يعني أن إسرائيل لا يمكنها نسيان أمر القطاع أو الحركة.
وقد أبقت إسرائيل القطاع تحت الحصار المشدد، واستخدمت القوة بإفراط في أحيان كثيرة. ورغم أن عدوان إسرائيل على غزة في ديسمبر 2008 ويناير 2009، الذي سمته إسرائيل عملية «الرصاص المصبوب»، أدى إلى تقليل نشاط المقاومة، فان تحقق الأهداف طويلة الأمد من ورائه أصبح محل شك. ورغم ذلك، لم تطور إسرائيل ولا المجتمع الدولي إستراتيجية جديدة، للتعامل مع تزايد سيطرة حماس على القطاع.
وقد دعت شخصيات إسرائيلية بارزة منها إفرايم هاليفي مدير جهاز الاستخبارات الإسرائيلي السابق «موساد»، وغيورا إيلاند، رئيس مجلس الأمن القومي الإسرائيلي السابق أيضا، إلى التفاوض مع حماس. إسرائيليون آخرون متشددون، طالبوا بتدمير حماس واستعادة السيطرة على غزة، ويقولون إن تأخر إسرائيل في ذلك سيكلفها غاليا في المستقبل.
وفي ظل عدم إمكانية تنفيذ أي من الرأيين السالفين حاليا، تواصل إسرائيل الاعتماد على الحصار الاقتصادي والعمليات العسكرية المحدودة، كإجراءات استباقية، لمنع هجمات المقاومة. ورغم أن سياسة عزل حماس قد تبدو، لدى بعض صناع القرار الغربيين، مقبولة من الناحية السياسية، فإنها ستقوض فرص مفاوضات إسرائيل والسلطة الفلسطينية. ولا بد من إيجاد توجه بديل.
مزيج الضغوط والتنازلات
ربما أمكن إقناع حماس باتخاذ موقف محايد من المحادثات. ولتحقيق ذلك، يقترح البعض على إسرائيل والمجتمع الدولي اللعب على نقاط ضعف الحركة، وخاصة الطريقة التي تحكم بها غزة.
ويمكن استخدام مزيج من الضغوط والتنازلات، بما في ذلك تخفيف الحصار. كما يجب تأييد جهود بناء الدولة التي يقودها رئيس وزراء السلطة في رام الله سلام فياض. ويجب أيضا المضي قدما في المحادثات مع الرئيس الفلسطيني محمود عباس، لتقليل مخاطر تغلب حماس في صراع السلطة الداخلي.
ويمكن أن تسير محادثات السلام في غياب حماس، لكنها يجب ألا تنتهي إذا رفضت الحركة الدخول في الحلبة. فالحركة أثبتت أن باستطاعتها تهديد إسرائيل والتأثير على المحادثات.
وإسرائيل تتحسب من تصعيد حماس عمليات المقاومة من جديد، والتي تراجعت بشدة إثر وقف إطلاق النار، الذي أعقب عملية «الرصاص المصبوب». موقف السلطة الفلسطينية يبدو أكثر تعقيدا ويتجاوز بكثير مخاوف إسرائيل.
ففي حال حدثت مواجهة عسكرية جديدة بين حماس وإسرائيل، ستتساءل الأخيرة عن جدوى الاستمرار في محادثات مع السلطة، إذا لم يكن بإمكانها السيطرة على المقاومة. كما أنه سيكون من الصعب على السلطة كسب تأييد الفلسطينيين، وهم يرون إسرائيل تقتل المدنيين في غزة. وستخرج حماس فائزة في كل الحالات، بينما ستخسر السلطة وإسرائيل.
ولكن، في الوقت الحالي، لا تحتاج حماس لان تشغل بالها بمصير المفاوضات، لأن الخلافات قائمة بالفعل بين السلطة وإسرائيل، بشأن المستوطنات، ولم تحقق المحادثات المباشرة، التي استؤنفت، أخيرا، أي تقدم حقيقي يذكر عما حققته المحادثات غير المباشرة، التي كانت ترعاها واشنطن. وينظر الطرفان إلى هذه المفاوضات بعين الشك.
وربما يحتج البعض بأن مفاوضات السلام طالما عقدت من دون مشاركة حماس. لكن منذ الانتفاضة الثانية، حاولت واشنطن دفع كرة المفاوضات إلى الأمام، من وقت لآخر، غير أن النتائج كانت دائما أقل من المطلوب، وهو ما جعل حماس لا ترى فيها تهديدا لوضعها. وقد أثر تصعيد المقاومة في التسعينات على سير المفاوضات، مما أدى إلى وصول بنيامين نتانياهو الإسرائيلي الأكثر تشددا، إلى السلطة.
حصار غزة
حاصرت إسرائيل والمجتمع الدولي غزة لعزلها وإضعاف حماس. أغلقت إسرائيل منافذ القطاع البحرية، كما أغلقت المعابر البرية. ووصل الوضع في غزة إلى الحافة لكن القطاع لم يستسلم، رغم تأكيد وكالات الإغاثة الدولية أن أكثر من 80% من سكان غزة يعيشون في فقر مدقع وظروف لا تحتمل. وكشفت منظمة الصحة العالمية بداية العام الجاري عن أن المشافي في القطاع لم تعد قادرة على القيام بمهمتها في تقديم الرعاية الصحية المناسبة.
ولم يعد بمقدور الأطباء في تلك المستشفيات تلقى التدريب. في الوقت ذاته، تنتشر الأمراض، وحالات سوء التغذية، وتتراجع أوضاع المدارس. وفقد سكان غزة القادرين على العمل أعمالهم في الأراضي المحتلة، نتيجة إغلاق إسرائيل الحدود وانهيار عمليات الإغاثة والاستثمار في غزة. وساهم ذلك في تعميق مأساة القطاع. ولكن لا يبدو أن استمرار الضغوط الإسرائيلية ومضاعفة معاناة غزة أكثر من ذلك سيحقق لإسرائيل ما تريد.
ويلقي العالم باللوم في حدوث هذه المأساة على إسرائيل. وبعد قيامه بزيارة تفقدية للقطاع في مارس الماضي، على سبيل المثال، أدان أمين العام للأمم المتحدة بان كي مون، سياسة إسرائيل ووصفها بأنها «غير صحيحة»، مؤكدا أنها تتسبب في «معاناة لا مبرر لها، وغير مقبولة»، للفلسطينيين في غزة. ويأتي ذلك رغم أن الكثيرين لم ينتبهوا لآثار الحصار، إلا في الآونة الأخيرة، إضافة إلى فترة عملية «الرصاص المصبوب».
ولم ينتبه العالم إلى الكارثة التي تعيشها غزة، إلا عندما أرسلت تركيا قافلة مساعدات بحرية إلى القطاع، في نهاية مايو الماضي، فاعتدت عليها إسرائيل، وقتلت الكثير من الأتراك.
وقد اعتبر رئيس الوزراء البريطاني ديفيد كاميرون الهجوم على السفينة «مرمرة» «غير مقبول بالمرة»، بينما دعت إدارة الرئيس أوباما إلى «توجه جديد بشأن غزة». وسرعان ما تحول الهجوم الفاشل إلى إخفاق تام لإسرائيل.
فقد أعاد انتباه العالم للكارثة، وبدأ الجميع يستنكرون منع دخول منتجات مثل المربى والكزبرة، إلى القطاع. وبدأ يتضح أن حماس ليست إلا ضحية الوحشية والعنف الإسرائيليين.
وتحت ضغط الانتقادات العنيفة التي تعرضت لها، اضطرت إسرائيل إلى تخفيف حصارها لغزة بشكل واضح، وتعهدت بتسهيل خروج أبناء القطاع لتلقي العلاج الطبي. لكنها واصلت حظر دخول الأغراض ذات الاستخدام المزدوج، كما تسميها، ومنها أجهزة إلكترونية، ومستلزمات بناء.
وقد فشل الحصار على مستوى آخر، وهو انه لم يضعف قدرة حماس، التي تمكنت حتى الآن من قهر خصومها السياسيين أو احتوائهم. وقد جعلها ذلك أكثر شرعية وشعبية في عيون الفلسطينيين من حركة فتح.
واعتمدت حماس في ذلك على نجاحها المدوي في انتخابات 2006، بعد أن ظهر فساد نظام فتح، وعجزها عن تقديم الخدمات للناس، أو تحقيق السيادة والاستقلال من خلال التفاوض. وبات الجيل الجديد من الفلسطينيين يفضل نموذج حماس على السلطة الفلسطينية. وقد تزايدت قدرات حماس العسكرية أيضا، وأصبحت مهارات مقاتليها هائلة.
ولم تعد حماس تتلقى الدعم السياسي من قوى إقليمية في المنطقة فقط، إذ دخلت موسكو على خط الداعمين لها. وقد التقى خالد مشعل رئيس المكتب السياسي للحركة وزعيمها في الخارج، في دمشق في مايو الماضي، الرئيس الروسي ديمتري ميدفيديف، الذي ضم صوته إلى تركيا في الدعوة إلى إشراك حماس في محادثات السلام.
الوصول إلى هدنة تستمر سنوات احتمال وارد
إذا لم يكن بالإمكان استئصال حماس من الوجود فهل يمكن تحييدها بدرجة كافية، حتى لا تؤثر على مجريات المحادثات؟ ربما أمكن ذلك، ولكن احتمال النجاح يبرر المحاولة.
على عكس الصورة التي ترسم لها أحيانا، أظهرت حماس أنها حركة براغماتية عملية عند الممارسة. فهي تعقد الاتفاقات مع الخصوم، وتتفاوض بشكل غير مباشر مع إسرائيل عبر وسطاء، وتظهر أنها على عكس «القاعدة» يمكن أن تتوصل إلى حلول وسط.
وقد أعلنت حماس في فترات مختلفة التزامها بوقف لإطلاق النار، واحترمته لشهور عدة، كما تنبأ بعض القادة بإمكانية التوصل إلى هدنة تستمر سنوات. ورغم إعلان حماس عدم اعترافها بإسرائيل، أعلن قادتها قبولهم خطوط الترسيم التي حددتها الأمم المتحدة، المعروفة باسم حدود 1967، بين الأراضي الفلسطينية والإسرائيلية، كبداية للتفاوض بشأن دولة فلسطينية.
وربما كانت أهم ملامح السياسة العملية التي تتبعها حماس التزام الحركة بوقف إطلاق النار.
ورغم كل المحاذير التي تواجه حماس، فإنه لا يزال من الممكن إقناعها بعدم التدخل في مسيرة محادثات السلام. وهي تبدو من وجهة نظر ما مضطرة لذلك.
فأحد أكبر نقاط ضعف حماس ينتج من أحد أكبر نجاحاتها. ففوز حماس في الانتخابات العامة في 2006، ثم سيطرتها على غزة، رتب عليها التزامات تجعلها لا تستطيع أن تبقى مجرد حركة مقاومة، فهي يجب أن تحكم، وتوفر الحياة الكريمة لسكان القطاع.
وقد تعلمت حماس هذا الدرس من خلال عملية «الرصاص المصبوب»، بعدما تعرضت لانتقادات بسبب الدمار الهائل الذي أنزلته إسرائيل بالقطاع. الحصار لم يضعف قوة حماس لكنه دفعها لأن تكون أكثر واقعية. ومن مصلحة إسرائيل التفاهم مع حماس قبل الشروع في مفاوضات جادة مع السلطة الفلسطينية في الضفة الغربية.
الخيار العسكري ضد «حماس» ليس سهلاً على إسرائيل
لا يبدو أن استخدام القوة، من جانب إسرائيل، أمر سهل التنفيذ. يعتقد بعض الإسرائيليين أن البديل عن حصار غزة هو مواجهة حماس وجها لوجه، وإزالتها من السلطة، وإجبارها على التحول إلى حركة تحت الأرض.
لكن هذه الإستراتيجية ستقود إسرائيل إلى مستنقع. قد يكون غزو غزة مهمة سهلة نسبيا، لكنه سيسفر بالتأكيد عن عدد أكبر بكثير من القتلى بين الإسرائيليين عما خلفته عملية «الرصاص المصبوب»، التي أدت لمقتل 13 إسرائيليا. وقد فقدت حماس نحو 1000 مقاتل ومدني، وستخسر أكثر في غزو جديد.
في عملية «الرصاص المصبوب» لم تتوغل إسرائيل بعيدا، ولم تمكث طويلا في غزة، ولم تحتل القطاع. ولكن في حال حدوث غزو جديد، سيتعين عليها البقاء لشهور، لتدمير البنية التحتية لحماس، التي أسستها الحركة على مدى عقود، وسيتكلف ذلك كثيرا، كما سيتطلب نشر ألوف الجنود من القوات الإسرائيلية.
كما أن إعادة احتلال غزة سيضر كثيرا بصورة إسرائيل على المستوى الدبلوماسي، وسيؤثر سلبا على علاقاتها بالولايات المتحدة، والمجتمع الدولي، والسلطة الفلسطينية.
وسترتكب إسرائيل حتما أخطاء، وستقتل أبرياء في قطاع غزة، مما سيجعل من الصعب الدخول في مفاوضات فيما بعد.
وفي غزة نفسها، ربما يدافع أنصار حماس عن أنفسهم باستخدام القناصة، وبمفرقعات أكثر تطورا مما سبق، وهجمات انتحارية، وكمائن. كما أن الحركة قد تستخدم عناصرها في الضفة الغربية لمهاجمة أهداف إسرائيلية.
وسيؤدي ذلك إلى خسائر كبيرة على الجانب الإسرائيلي.
لن يكون بإمكان إسرائيل البقاء في غزة، وهي التي غادرتها في 2005، على أمل ألا تعود إليها أبدا.
وهي لا تملك مقومات بدء احتلال جديد.
بقلم ـ دانيل بيمان-ترجمة: عصام بيومي
