تعيش السلطتان التشريعية (مجلس الأمة) والتنفيذية (الحكومة) في الكويت صراعاً مستمراً، يصل في كثير من الأحيان الى تصادم، ينتهي إما باستسلام أحد الطرفين أو إعلان القطيعة التي تفضي الى حل أحدهما عبر إعادة الانتخابات البرلمانية أو تشكيل حكومة جديدة.
ورغم الدعوات المتكررة من أمير الكويت الشيخ صباح الأحمد الجابر، وهو اعلى سلطة في البلد أو كما يسمى بأبي السلطات الثلاث: التشريعية والتنفيذية والقضائية، بضرورة التعاون بين البرلمان والحكومة، والابتعاد عن أجواء التأزيم والالتفات بصورة جدية الى واقع البلد وحاجتها الى التنمية الشاملة في كافة المجالات، إلا ان الصراع ما يلبث ان يهدأ حتى يعود الى الاشتعال مجدداً ليمثل العنوان البارز للعلاقة بين السلطتين التشريعية والتنفيذية!
وما عايشته الكويت من احتقان سياسي على مدى الأيام الماضية، على خلفية تطاول ياسر الحبيب على أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها، ما هو إلا أحد مسلسلات الصراع بين السلطتين، لاستعراض العضلات، إما لاكتساب قواعد انتخابية شعبية جديدة من قبل النواب والنشطاء الطامحين للوصول الى البرلمان من خلال ندوات «التجييش»، وفرض إملاءات مسبقة على قرار الحكومة التي تسعى بدورها الى اثبات قدرتها على التحكم بزمام الأمور عبر إجراءات عملية يشاهدها ويلمسها الشارع الكويتي.
وما يجري الآن، ليس بجديد على حالة عدم الاستقرار التي تعيشها السلطتان، وعلاقتهما التي يطغى عليها دائماً حالة المد والجزر، حيث إنه إذا وجدت حالة من الوئام والتناغم بينهما فهي تكون لفترات قصيرة سرعان ما تعود الى حالتها الدائمة وهي عدم الاستقرار والخلاف. ورغم محاولات البعض سواء من خلال الحكومة أو البرلمان تحقيق طموح المواطن بالعمل على إطالة عمر المجلس وخلق نوع من التناغم والتعاون بين السلطتين وقبل ذلك كله تحقيق استقرار وثقة بالنظام السياسي الديمقراطي في الكويت، إلا أن الخلاف يطفو على السطح وتظهر عقبات الوفاق بين الطرفين عند كل قضية خلافية.
الحكومة مسؤولة
ويقول وزير الإعلام والنفط الأسبق الشيخ سعود الناصر ان «الحكومة مسؤولة عن الازمات السياسية التي تعيشها البلاد، نتيجة ترددها وتخبطها وعجزها عن اتخاذ القرار الذي اذا ما اتخذ فإنه يحمل نوعاً من المحاصصة لعدد من النواب او لكتلة سياسية معينة». ويوضح الناصر ان الحكومة تعيش ضعفاً كبيراً امام البرلمان، حتى وان أبدت غير ذلك من خلال وسائل الاعلام»، لافتاً إلى أن «الدليل على ذلك هو القرارات العديدة التي تتخذها وتعود عنها بمجرد الانتقاد النيابي لها»، ويقول «المشكلة في الحكومة وليس البرلمان، لأن ما يسمى بالمؤزمين لا يتعدى الخمسة من أصل خمسين نائباً هم عدد أعضاء البرلمان».
تأزيم متواصل
إن المتتبع لما يدور على الساحة الكويتية الداخلية، وما يتطرق إليه الأعضاء من تصريحات وما يقابلها من ردة فعل حكومية، حتماً يلاحظ بوادر تأزيم قادمة خلال دور الانعقاد القادم الذي تفصلنا عنه ايام قليلة، بل ان هناك عدداً من الوزراء يقفون على قائمة انتظار الاستجوابات، وعلى رأسهم رئيس الحكومة الشيخ ناصر المحمد ونائب رئيس مجلس الوزراء للشؤون الاقتصادية الشيخ احمد الفهد ووزير الداخلية الشيخ جابر الخالد ووزير الاعلام الشيخ احمد العبدالله ووزير الشؤون الاجتماعية محمد العفاسي، بالاضافة الى قضايا ومقترحات نيابية ستطفو على السطح، وستجعل دور الانعقاد القادم عاصفاً لا يكون الحل معه إلا بحل أحد عنصري الصدام.
فالتأزيم وحالة اللااستقرار بين السلطتين التنفيذية والتشريعية ستظلان ملازمتان، ولن تختفيا حتى أمام «الإغراءات» بوجود مشاريع شعبية تحض على التوافق بينهما. فأعضاء مجلس الامة يعلمون جيداً ان المواطنين يراقبون اداءهم، وهم مطالبون بتنفيذ مشاريع حيوية وتحسين الاوضاع المعيشية، لاسيما وان الحكومة أقرت مسبقاً رفضها كل المقترحات الشعبية، وخصوصا التي تحمل الدولة كلفة مالية كبيرة، كما انها أعلنت موقفها مقدماً برفض المقترحات، لتضع بذلك أعضاء البرلمان بين مطرقة الخوف من حل مجلس الامة وسندان الرغبات الشعبية.
خلاف دائم بين السلطتين
كذلك، فإن العلاقة بين أعضاء مجلس الأمة مع بعضهم البعض ليست على ما يرام هي الأخرى، ويسودها دائماً الخلاف، حيث ان تعدد التكتلات والتجمعات داخل المجلس ادى الى تدهور العلاقات بين أعضائه، إلى درجة طالت لغة الحوار سواء في ما بينهم أو في ما يخص علاقاتهم بالحكومة. وتحفل جلسات المجلس، لاسيما خلال الفترة الأخيرة بالكثير من الشواهد التي تدل على عدم قبول البعض بنتائج تصويت الأغلبية.
ويقول النائب حسن جوهر ل«البيان»، إنه يتمنى أن يكون «مبدأ التصويت والقناعة من دون تصعيد او تشنج غير مبرر» هو السائد داخل أروقة المجلس، ويضيف «هذا لا يعني ان كل نائب أو حتى الحكومة ليس لهم الحق في ان يعلنوا عن رأيهم بكل جرأة وصراحة، أو ألا يستخدموا من الحجج والادلة ما يثبت موقفهم»، ويتابع «من دون شك، فإن التوتر في العلاقة بين السلطتين اثّر في عجلة التنمية وعطل الكثير من المشاريع، ومع استمرار تأثيرات الازمة المالية العالمية التي انعكست على الاقتصاد الكويتي باتت الحاجة ملحة لإيجاد توافق نيابي - حكومي للدفع بالمشاريع».
ويرى جوهر أن الملفات الساخنة «لا يفترض ألا تكون مثار خوف، فثمة تباين في الآراء وهذه سمة الديمقراطية بأن يكون هناك تعدد في الرأي والمواقف، ويفترض ان نحتكم الى الاغلبية ونقبل بالممارسة الديمقراطية التي قد تكون اليوم ضد توجهاتي وقناعاتي الخاصة وتكون العكس في يوم آخر». ويعتقد جوهر أيضا ان العلاقة بين السلطتين مهما وصلت الى مرحلة من التوافق فستظل ثمة اختلافات واجتهادات واولويات متفاوتة، الا ان هذا لا يعني ان الطريق مسدود، فثمة جهود تبذل لتقريب وجهات النظر وتنفيذ جدول الاولويات وتجاوز نقاط الخلاف.
ثقافة الصراع
وكما يقول وزير الدولة للشؤون الخارجية الأسبق سليمان الشاهين فإن «الثقافة السائدة بين السلطتين هي ثقافة صراع بين خصمين»، إذ إنه يشير الى ان فترات من الهدوء والوئام التي تعيشها السلطتان تكاد لا تذكر، ويضيف أن «الجميع أصبح يتحدث عن الازمات بين السلطتين، متناسين أي تنمية او تطوير للبلد».
لافتاً في القوت ذاته إلى انه «لا توجد أي تنمية من دون استقرار، وان المسؤول عن تحقيق الاستقرار هي الحكومة بالدرجة الأولى من خلال تفعيل دورها بشكل صحيح والمبادرة في تقديم مشاريع التنمية وتفعليها وتنفيذها ومحاسبة المتجاوزين، اضافة الى قدرتها على مواجهة أدوات المساءلة التي قد يقوم بها بعض النواب سواء بشكل صحيح او تعسفي، فيما يكون الطرف الثاني في معادلة الاستقرار السياسي، نواب البرلمان».
.. وثقافة المصارعة
بدوره، يؤكد استاذ العلوم السياسية في جامعة الكويت د. إبراهيم الهدبان أن «ثقافة المصارعة الحرة هي الثقافة السائدة بين السلطتين»، ويشير الى ان الأداء الحكومي تحسن في مواجهة مجلس الأمة عبر مواجهة الاستجوابات النيابية وتدخلها لحسم جدل بين النواب أنفسهم كما حدث قبل أيام في قضية ياسر الحبيب وسحب الجنسية الكويتية منه وملاحقته قضائياً، حيث انها وقفت مع الكفة الارجح في البرلمان.
ويبين الهدبان ان اللغة بين السلطتين هي لغة التهديد والوعيد، ويقول ان بعض الاعضاء يلوح بالمساءلة السياسية لرئيس الوزراء ويترك الوزير المختص لتحقيق مكاسب شعبية، ويضيف «السبب وراء توقف عملية التنمية في البلاد هي السياسة التي ينتهجها الطرفان».ويبدو أن «التطرف» في المواقف بات أحد إشكاليات الديمقراطية الكويتية، مع عدم قبول البعض بنتائج التصويت وإصراره على أن يكون رأيه هو السائد وان لم يحظ بموافقة الأغلبية.
الكويت - بدر سالم

