في كتابه الشهير بعنوان «استراتيجية الاستعمار والتحرير» عمد العلاّمة العربي المصري الراحل جمال حمدان إلى تصنيف ظاهرة الاستعمار إلى فئات ثلاث على النحو التالي:

(1)- الاستعمار العتيق.

(2)- الاستعمار العتيد.

(3)- الاستعمار الجديد.

بيد أن ظاهرة استجدت في الأيام القليلة الماضية يمكن أن تدفعنا إلى أن نضيف إلى تصنيف الدكتور حمدان رحمه الله فئة جديدة وغريبة أيضاً قد نختار لها بدورها العنوان التالي:

(4)- الاستعمار الحميد.

وفي كل حال فالاستعمار هو في التحليل الأخير ومن حيث الجوهر والأغراض ظاهرة تجسد وفود قوى أجنبية تأتي إلى حدود البلد أو القارة- الهدف وفي جعبتها تعّلات وشعارات وذرائع شتى ما بين رغبة التمدين والتحديث إلى رغبة الهداية والتبشير ولكنها تنطوي وسط هذا كله على رغبة محورية تتكرر في تواتر ظاهر أحياناً ومستتر في بعض الأحيان: هي ببساطة رغبة الاستغلال وتحقيق مصالح استراتيجية ؟ اقتصادية بالدرجة الأولى.

الثروات والأسواق

والحق أن الاستعمار الذي تعبّر عنه لفظة «الإمبريالية» بالذات.. ظاهرة قديمة في تاريخ البشرية، وقد بدأت مع بداية المجتمعات والحضارات البازغة والباذخة في سجل هذا التاريخ الإنساني، وربما تجسدت في بلاغة إمبريالية أيضاً في تلك السيطرة الإمبريالية التي مارستها إمبراطوريات الزمن القديم ومنها الإمبراطوريات الرومانية والبيزنطية والفارسية، وغيرها.

أما الظاهرة الإمبريالية في العصر الحديث فيمكن أن تكون بدايتها قد تجلّت مع تحولات الثورة الصناعية التي كانت تصدر - كما هو معروف - عن كيان وأفكار مجتمع الرأسمالية التجارية.

تقول موسوعة كولومبيا الأميركية: إن الانقلاب الصناعي جاء منذ أواخر القرن 18 ومطالع القرن 19 بشكل جديد من هذه النزعة الإمبريالية التي تمثلت في التماس المواد الخام بالمستعمرات وخاصة في إفريقيا وآسيا، ومحاولة تأمين أسواق بغير منافس في تلك الأقطار الجنوبية بالأساس لصالح المنتوجات المصّنعة الناشئة في بلدان الشمال الإمبريالي.

والمعروف تاريخياً أن كلاً من إسبانيا والبرتغال تصدّرتا هذا المد من السيطرة الإمبريالية في زمن سابق حتى على حدوث القوة الصناعية ومن هنا استحقت كل منهما صفة الاستعمار «العتيق» على نحو ما ذهب إليه جمال حمدان..

فيما استحق لقب الاستعمار «العتيد» كل من الإمبراطورية البريطانية والإمبراطورية الفرنسية.. ثم خلع حمدان صفة الاستعمار «الجديد» على تغلغل نفوذ أميركا وخاصة بعد الحرب العالمية الثانية التي خرجت منها الولايات المتحدة قوة منتصرة ذات سمعة إيجابية وصلت إلى حد أن اعتبروها محرراً لشعوب أوروبا من سطوة النازي.. دعك من تعزيز هذه السمعة الأميركية بفضل مشاريع حمل بعضها اسم «النقطة الرابعة» وكانت تهدف عند منتصف القرن الماضي إلى تقديم مساعدات مالية وفنية إلى شعوب جنوبية شتى.

الاستعمار «الحميد»

ماذا إذن عن هذا النمط المستجد الذي نحاول أن نخلع عليه وصف «الاستعمار الحميد»؟

هو ذلك النمط من التداخل الأجنبي في أقطار دول العالم الثالث ولكن بأساليب أكثر تهذيباً وأشد مراعاة للحالة الوطنية في تلك الدول وخاصة في إفريقيا.

ومع ذلك فهو في كل حال تحرك تقوم به قوة أجنبية وافدة وتبغي بداهة تحقيق مصالحها القومية ـ الاستراتيجية. والقوة هذه المرة تحمل اسماً بات مصدر انشغال في أركان شتى من عالمنا وهي:

- الصين.

لقد دخلت الصين إفريقيا خلال سنوات العقدين الحالي والسابق.. ولكن دخولها كان هادئاً ورقيقاً بل نقول مهذباً وبالغ الرهافة والحساسية والذكاء.

لماذا؟ لأن الصين جاءت بعد أن درست بعمق وتأنّ ملحوظ الدروس المستفادة من تجارب المد الإمبريالي الغرب ؟ أوروبي الذي استشرى نفوذه في أصقاع القارة السمراء وخاصة بعد انعقاد مؤتمر برلين الشهير عام 1884 الذي حمل شعار مؤتمر التسابق على إفريقيا (ونسميه من جانبنا التدافع إلى حد التكالب) على أراضي القارة بين مختلف الأطراف الأوروبية التي كان كل منها يحاول أن ينتزع لنفسه قضمة تكبر أو تصغر من كعكة الموارد والنفوذ والاستغلال من أرجاء القارة العذراء.. السمراء.

تصريحات السفير

وربما كان من تجليات الذكاء الصيني الذي ألمحنا إليه تلك التصريحات التي أدلى بها عام 2007 سفير الصين لدى حكومة جنوب إفريقيا: كان السفير الهمام يقارن بين الحملات الأوروبية الشرسة التي استهدفت استعمار القارة وجاءت على متن أساطيل تقصف وفي ركاب قوات مسلحة تقتل وتدمر..

وبين رحلة استكشافية شهيرة قام بها الرحالة الصيني الرائد الذي يحمل اسم «زنغ» وقد وفد على سواحل ودواخل إفريقيا في مرحلة سابقة حتى على رحلات وكشوف كولومبوس وماجلان ودي جاما في القرنين الخامس عشر والسادس عشر.

يقول السفير الصيني: لقد جاء (مواطننا الصيني) الكابتن «زنغ» إلى إفريقيا حاملاً شحنات من الشاي والخزف الجميل والحرير والتكنولوجيا.. لم يحتّل أي شبر من الأرض ولا اتخذ واحداً من أفرادها عبداً في سلك الرقيق.. وما خرج به إلى العالم الخارجي هو السلام والحضارة وهو ما يعكس تماماً حسن النية الذي كان يصدر عنه أسلافنا بين صفوف الشعب الصيني.

مع ذلك فنحن نقول إن هذا كله كان في زمان قديم.

واليوم تحولت الصين نفسها إلى عملاق صناعي ينافس أعتى القوى في العالم.

لكنه عملاق جائع نفطياً كما قد نسميه ؟ يندفع بحكم احتياجاته الماسّة من الطاقة النفطية إلى مواقع توافر هذه الطاقة في أنحاء وأصقاع شتى من العالم.

وربما وجد بغيته في إفريقيا مما أشعل سباقاً ، هل نقول تكالباً من نوع جديد وجائزته بداهة هي تأمين واردات النفط من إفريقيا إلى حيث تدير آلاف المصانع التي تنتج ملايين السلع التصديرية التي توجهها بيكين إلى العالم الخارجي وتغزو بها كل الأسواق ومنها بالطبع الأوروبية والأميركية.

وبأسعار تتجاوز قدرات أي منافس حيث تستثمر الصين ميزتها النسبية متمثلة في الانخفاض الشديد لأجور العمالة في بلدها مقارنة بأجر العامل الأوروبي أو الأميركاني وهو ما جعل من الصين أكبر دائن في اقتصاد عالمنا اليوم.

حقيقة المشكلة

كل هذا أمر لا غبار عليه.. ويكفي أن دولة مازالت ترفع الشعار الشيوعي.. حرصت على تحقيق نجاحاتها في ساحة اقتصاد يقوم بالضرورة على أساس المنافسة الرأسمالية.

لكن المشكلة هي أن بيئة كوكبنا أصبحت تعاني أدواء شتى من جراء إفراط الصين ومن قبلها أميركا ومجموعة الدول الصناعية المتقدمة في استخدام البترول والفحم والغاز وسائر أنواع الوقود الأحفوري بكل ما يصدر عنها من انبعاثات.

إذن فلتبحث بيكين عن «الآخر» عن طوق الإنقاذ كما تتصوره، وهو استخراج الوقود الحيوي ؟ البيو وقود كما قد نسميه من مصادر نباتية بما يتيح أولاً خفض الانبعاثات الضارة؟ فيما يتيح ثانياً مصادر جديدة وبديلة بل واعدة من الطاقة.

صحيح أن الصين ليست وحدها في هذا المجال.. ولكن الصحيح أنها تتصدر المجال جنباً إلى جنب مع قوى ومصالح دولية عاتية أخرى وخاصة في بريطانيا فضلاً عن عدد من دول جنوب شرقي آسيا.

تقرير رويترز

في ضوء هذا كله لابد وأن تتعامل بكل يقظة وجدية مع التقرير الذي أذاعته في مستهل شهر سبتمبر الحالي وكالة «رويترز» الدولية للأنباء من أبيدجان عاصمة كوت ديفوار (ساحل العاج) في غرب إفريقيا. ويقول التقرير في اختصار شديد:

إن دراسة حديثة لمجموعة عمل متخصصة في مجالات البيئة أكدت أن ثمة تزايداً ملحوظاً في الطلب على أنواع الوقود الحيوي ـ العضوي.

وإن هذا الاحتياج المتزايد (وخاصة من جانب القوى الصناعية الصاعدة في عالم اليوم) بات يدفع إلى تنفيذ عمليات استيلاء أو استحواذ على مساحات شاسعة من الأراضي وخاصة في القارة الإفريقية.

وإنه قد تحددت بالفعل مساحة تبلغ نحو 5 ملايين هكتار من أراضي دول إفريقيا حصلت عليها شركات أجنبية لزراعة محاصيل الوقود الحيوي في 11 دولة إفريقية وبموجب عقود تم بالفعل إبرامها والتصديق عليها.

وإن هذه العقود تستهدف استغلال تلك المساحات المهولة من الأراضي لزراعة محاصيل قصب السكر والجاتروفا وأشجار زيت النخيل بوصفها مصادر غنية بهذه الأنواع من الوقود.

وكان من الطبيعي أن يعمد أصحاب المصلحة إلى تزيين أو تجميل أو تزويق مثل هذه الإجراءات بدعوى أن زيادة استخدام الوقود المستمد من مصادر نباتية معناه تقليل الانبعاثات الكربونية التي يتلازم انطلاقها مع استخدام المحروقات المستمدة من مصادر أحفورية.

ورغم هذه الشعارات المضمخة في عبير البراءة فإن هناك من يحذر من أن التوسع في استغلال الأراضي لزراعة مصادر الوقود البيولوجي معناه بالضبط التحول عن زراعة مصادر الغذاء لملايين البشر ومنهم من يعاني سوء التغذية بل والجوع وخاصة في أنحاء إفريقيا ذاتها.

من هنا يحق للمحلل السياسي أن يصغي جيداً إلى البيان الصادر في نفس الموضوع عن «جماعة أصدقاء كوكب الأرض» حين يقول: إن التوسع في التماس مصادر الوقود الحيوي يؤدي إلى تحويل الغطاء النباتي المتجسد في الغابات والزروع ومساحات الخضرة الكثيفة إلى محاصيل وقودية وعلى حساب زراعة المحاصيل الغذائية وهو أمر كفيل بإثارة صراعات ونزاعات بين السكان المحليين سواء على ملكية الأرض أو على مصادر الغذاء.

والمشكلة أن القوى التي دخلت هذه الحلبة الخطيرة قوى عاتية متمكنة من حيث الموارد وأيضاً من حيث الذكاء والدبلوماسية والسمعة الطيبة على نحو ما أشرنا إليه بالنسبة للنموذج الصيني في التعامل مع إفريقيا.

لكن المشكلة أيضاً أن المقترحات تتوالى على أقطار إفريقيا كي تغريها بحكاية زرع محاصيل الوقود الحيوي.. والانصراف عن محاصيل الطعام وهو المطلب الحيوي بكل تأكيد وامتياز.

والصين لا تزال تتقدم الصفوف.. بحماس ومهارة ومعها قوى ومؤسسات كبرى في غرب أوروبا.

التطور التاريخي لظاهرة الاستعمار

يمكن القول إن ظاهرة الاستعمار ظاهرة بشرية ارتبطت بالتاريخ الإنساني منذ بداياته الأولى، وتطورت هذه الظاهرة وفقاً لتطور البشرية، حيث تغيرت أشكال وأساليب الاستعمار تغييرات جذرية على مر العصور، وتعددت أشكال الاستعمار بتعدد الأهداف والوسائل والظروف التاريخية والجغرافية، وشملت كل مجالات الحياة.

حيث شهد التاريخ الاستعمار الاقتصادي والسياسي والفكري والثقافي والعقائدي والعسكري والإثني والعرقي والطائفي وغيرها من أشكال الاستعمار، ويدرج الكثير من المحللين أي شكل من أشكال التبعية بين الدول بأشكال الاستعمار، ونذكر هنا الاتهامات التي كان يوجهها بعض الإنجليز لرئيس الحكومة الأسبق توني بلير في علاقاته القوية بواشنطن وكانوا يصفونها بالاستعمار الأميركي لبريطانيا.

وإن كان المتعارف عليه في أدبيات السياسة تحت مسمى الاستعمار هو سيطرة دولة على ثروات دولة أخرى بالتواجد على أراضيها، بحيث لا يتعامل البعض مع استغلال الشعوب ونهب ثروات البلاد عن بعد بأنه استعمار.

كما أن هناك اتجاه مهم وموضوعي في أدبيات الاستعمار يتعامل مع ظاهرة الاستعمار على أنها ظاهرة إيجابية استفادت منها الكثير من الشعوب والبلدان المتخلفة التي نقل إليها الاستعمار العلم ومظاهر الحضارة الحديثة، خاصة عند النظر إلى المجتمعات المتخلفة في القارة الإفريقية التي كان سكانها يعيشون فوق الأشجار وبين الأحراش لا يختلفون كثيراً عن الحيوانات التي تعيش معهم، ثم حولهم الاستعمار إلى مجتمعات متحضرة ترتدي الأزياء الغربية وتتعلم في جامعات العالم وتمارس حياتها بشكل طبيعي مثل باقي المجتمعات، على الرغم من عملية النهب الكبيرة التي مارسها الاستعمار الأجنبي لثروات هذه الشعوب والبلدان المتخلفة.

وقد عرفت البشرية منذ تاريخها القديم ظاهرة الاستعمار بمعنى التسلط الإمبريالي من جانب قوة أجنبية على مقاليد وإقليم شعب آخر بقصد استغلال موارده الاقتصادية أو موقعه الجغرافي أو استخدام سكانه في عمالة رخيصة وصلت تاريخياً إلى حد الاسترقاق.

وإذا كان التاريخ القديم قد شهد أنماطاً من الإمبريالية - الإمبراطورية في روما أو فارس أو بيزنطة مثلاً، فإن التاريخ الحديث بدأ بالاستعمار العتيق من جانب إسبانيا والبرتغال، ثم تلاه تاريخياً الاستعمار العتيد من جانب إنجلترا وفرنسا وقد أنشأت كل منهما كياناً إمبريالياً استمر كإمبراطورية إلى منتصف القرن العشرين..

وبعدها كان الاستعمار الجديد ممثلاً في أميركا التي لم تستخدم أسلوب الغزو بالبوارج أو الجيوش ولكن استخدمت قوتها الناعمة من المساعدات الاقتصادية والدعايات الإعلامية..

لكن ثمة ظاهرة إمبريالية مستجدة في أيامنا يمكن وصفها بأنها الاستعمار ؟ «الحميد» ويجسده تنامي نفوذ قوى جديدة ومنها الصين بالذات في أقطار القارة الإفريقية وهي تمارس نفوذها بذكاء وحساسية مرهفة تجاه شعوب إفريقيا..

ولكن المشكلة أن ارتبط هذا النفوذ الصيني بدعوة جديدة إلى تحويل مساحات شاسعة من أراضي إفريقيا إلى زراعة محاصيل الوقود الحيوي مثل قصب السكر ويتم ذلك على حساب المحاصيل الغذائية الكفيلة بإطعام الملايين من شعوب القارة السمراء.

ورغم جاذبية زراعات الوقود الحيوي من حيث انخفاض انبعاثاتها الكربونية إلا أن الإمعان في الاتجاه الجديد كفيل بإشعال أزمات غذائية من جهة وصراعات أهلية من جهة أخرى.

محمد الخولي