بات من شبه المؤكد أن عقدة الاستيطان قد جرى تجاوزها. بالأحرى جرى تمييعها والالتفاف عليها، بحيث لم تعد نهاية فترة التجميد بعد غد الأحد؛ تهدد المفاوضات. فالشرط الفلسطيني، الذي ربط مواصلة التفاوض بمواصلة وقف بناء المستوطنات؛ قد تمّ تلطيفه. والتهديد الإسرائيلي باستئناف التوسع، فور نفاذ المدة؛ قد تمّ تخفيفه. أو تمويهه. أو في أحسن الحالات، تأجيله..

الخارجية الأميركية، طرحت أكثر من صيغة. منها أن يتجدّد الوقف لمدة ثلاثة أشهر، إذا حصل تقدّم في عملية التفاوض. أو أن تلتزم إسرائيل فقط بعدم القيام ببناء وحدات سكنية في المناطق المتوقع ان تكون حدودية بين الدولتين. أو أن لا يدخل ما يتم بناؤه أثناء المفاوضات، في التسوية واعتباره كأنه لم يكن. المهم بالنسبة للإدارة، شيئان: أن تستمر المفاوضات طوال مدة السنة المحدّدة لها، بالتمام والكمال. وثانيا، أن ينفصل هذا الاستمرار عن موضوع الاستيطان، بصورة أو بأخرى.

الرئيس أوباما، في خطابه أمام الجمعية العمومية للأمم المتحدة، كان واضحا في هذا الخصوص. فهو يقول بوجوب تمديد الحظر على الاستيطان، لكن من غير تعميم ولا تحديد سقف زمني لهذا المطلب. وكأن ذلك متروك لإسرائيل. بينما عندما يأتي إلى المفاوضات، فهو يريد الاستمرار فيها «حتى النهاية». يعني حتى آخر يوم من فترة السنة المحددة لها.

إشاعة التفاؤل

بموازاة ذلك، حرصت إدارة أوباما على إشاعة حالة من التفاؤل. تبدّى ذلك في خطابها، منذ القمة الثلاثية في واشنطن؛ مطلع الجاري. الوزيرة كلينتون، تولت الترويج له، في زيارتها الأخيرة إلى المنطقة؛ كما في كلمتها في «مجلس الشؤون الخارجية» بواشنطن، قبل أسبوعين.

فضلا عن تسريبات إعلامية، تتحدث عن نتانياهو «البراغماتي» العازم هذه المرة على «صناعة تاريخ» في المنطقة. صبّ في هذا المجرى بروز أصوات يهودية أميركية ـ مثل اللوبي الإسرائلي الجديد، المعروف باسم جي ستريت والذي يطرح نفسه كمعتدل وبديل عن اللوبي الأول القديم ـ تدعو إلى «السلام الآن»، من خلال إعلانات في كبريات الصحف الأميركية.

كل ذلك أدى إلى تكوين انطباع بأن في الأمر تسوية ما، هذه المرة. ثم جاء خطاب الرئيس أمس الأول، في الأمم المتحدة، ليعزز هذه الصورة؛ من دون أن يزيل الشكوك الكبيرة، في مثل هذا الاحتمال.

لكن كان من الملفت في واشنطن، ان يخصص ربع حديثه تقريبا، لموضوع المفاوضات.وقد توقف المراقبون عند إشارته إلى إمكانية أن تستقبل الأمم المتحدة، في السنة المقبلة، دولة «فلسطين المستقلة ذات السيادة عضوا جديدا فيها». ربما فقط لأنها ترد لأول مرة على لسان رئيس أميركي، بهذ الصيغة.

مع ذلك لا يستبعد مراقبون ومقربون من مطبخ المفاوضات، أن يتحقق التوصل إلى «إطار اتفاق»، يضع اللبنة الأولى لمشروع تسوية تتطلب سنوات لوضعها موضع التنفيذ.

لكن يبقى السؤال: عن أية دولة يتحدثون؟ هنا الجواب مفقود. حتى لدى المتفائلين، مثل رئيس حكومة السلطة الفلسطينية، الدكتور سلام فياض؛ الذي اكتفى بالإعراب عن ثقته بالوصول إلى الدولة العتيدة، خلال محاضرته في «مؤسسة أميركا الجديدة»، أول أمس الخميس بواشنطن.

تعزيز رصيد

الرئيس أوباما، يريد دولة فلسطينية. تحقيقها، انجاز كبير يعزز رئاسته ورصيده. وهو أحوج ما يكون إلى ذلك؛ قبل الدخول في معركة تجديد رئاسته. لكنه مسربل بالحسابات السياسية المحلية. بسببها، لا يقوى على الخروج عن الخطوط التي ترسمها إسرائيل. ولو في حدود الروابط والعلاقات الاستراتيجية التي لا تكسرها واشنطن مع تل ابيب. تماما كما كان أسلافه.

ولو أنه متميز ومتقدم عليهم، في أكثر من ناحية. فهو ما زال يتحدث عن الاستيطان بلغة أنه لا يخدم السلام وليس انه غير شرعي. كما لا يزال يطالب العرب مسبقا بالتطبيع، وفي الوقت الذي لا ترضى فيه إسرائيل حتى بوقف بناء المستوطنات في الأراضي الفلسطينية المنهوبة. وطالما بقي اسير هذه اللغة، تبقى كل طروحاته في هذا الخصوص، عملية تتراوح بين الرغبة الوهمية وشراء الوقت.

واشنطن ـ فكتور شلهوب