بعبق الماضي المتحدّي لزمن العولمة، حطّت الضيعة اللبنانية رحالها على كورنيش محلّة عين المريسة في بيروت، قبل أن تنتقل بعد عيد الفطر المبارك الى مناطق لبنانية أخرى.. وذلك، في إطار متحف «بيوت الفرْجة» المتجوِّل، والذي هو الأول من نوعه في لبنان والشرق الأوسط.
هي مفردات الضيعة غزَت، بوداعة ومن دون استئذان، المنطقة الموغلة في التمدّن والجلَبة، لتروي قصّتها بالحجر، ومن دون أن تهمس بكلمة واحدة، وقرّرت أن تجاوِز حدّ الزمان والمكان مستقرّةً بين ما كان.. وكان!
عبق التراث.. و«مندلونات» تحرُس «السلمْلَك»
على امتداد المساحة التي يلفّها عبق التراث، تأبى أدوات الضيعة وعدّتها إلا أن تكون حاضرة: أجران الكبّة، المعصرة وخوابي الزيت، التنّور والصاج، الجِرار الفخارية والزجاجية، المحدلة والجاروشة والطاحونة، قناديل الإنارة، الأبواب والشبابيك العتيقة، والأسلحة القديمة.
كل هذه الأدوات جمِعت في مكان واحد، لتصوغ حكاية تقاليد وعادات الشعب اللبناني الأصيل.. وما يسرق العين هو توظيف بعض أدوات القرية في إطار بصري يخدم المشهد العام، كأن يتحوّل «النورج» الى طاولات وأبواب ونوافذ، والخوابي الى قمريّات تدخل النور والهواء الى الغرف، والطناجر الى حافظة للمصابيح، ودواليب الحنطور الى ثريّات، والمندلونات الى نوافذ، وآلات الخياطة الى طاولات وموائد.
«شفا وخمير.. يا عرقسوس»
بثيابه ذات اللونين الأسود والخمري: سروال واسع وسترة مزيّنة بنصف ياقة وطربوش، يطالعنا السوّاس (بائع العرقسوس) أبو صطيف، حاملاً على ظهره وبطنه، بواسطة «المقصبة»، خزّاناً نحاسيّاً مبيّضاً بالقصدير وصنّاجتين نحاسيتين «برناقتين» (غير مبيّضتَيْن) يضربهما ببعضهما البعض ليصدرا رنّة موسيقيّة، يرفقها بترداد «شفا وخمير يا عرقسوس» و«بارد وخمير.. وتهنى يا عطشان».
و«يلّلي بيِشرَب سوس ما بيِمرض»... لكن النداءات التي يكرّرها «أبو صطيف» لا تشغل بال الخيّاط «أبو محمود» الذي يبدو منهمكاً بمراقبة امرأتين تعملان لديه، وكل همّه المحافظة على «جنى عمره»: ماكينة خياطة من نوع «سينجر» وماكينة غزل الصوف التي تتيح له استخراج الخيطان لمواصلة دورة العمل اليوميّة.
من جهته، يصرّ «أبو درويش» على إكمال مسيرة صناعة حلوى «غزل البنات» بكل أسرارها، وفاءً منه لأوائل مكتشفيها، الفاطميين في مصر، خلال القرن العاشر.. يومها، وعن طريق الصدفة، حرّك أحدهم كمية من السكّر بواسطة ملعقة خشبيّة، لمدّة عشر دقائق، فظهرت الخيطان.. فاستحقّت الملعقة لقب «السحريّة»، وسمّيت الخيطان المكتَشفة بـ «غزل البنات»، لأن بنات ذاك الحلواني كنّ أول من رآها.
وتكرّ سبّحة المشاهد الريفيّة: رجل «مهموك» بتذوّق طعم التنباك في نرجيلته، من دون أن يشغله هذا الأمر عن مناداة زوجته «صبْحة» ومطالبتها بالإسراع في النزول الى السوق لعرض عدد من البسْط والسجّادات للبيع، مبدياً إنزعاجه من «الحكي».
ومستذكراً «التنباك اللّي لح يِخلص من عنّا».. أما «المعتَّرة» فلا حول ولا قوة لها إلا التعبير عن موقفها الرافض بتمتمة بعض الكلمات على مسمع من أختها التي تعاونها في مهمة الحياكة على النوْل: «تعِبْت بحياتي.. والرجّال قاعد، ولا على بالو شي».. وذلك، من دون أن تنسى همّها الأكبر: «إيديّي عم يوجعوني.. والرجّال ما بيهمّو».
في المقابل، يطلّ أبو سعيد بـ «محماسه» (محمصة البنّ)، ليذكّر زوج «صبحة» وكل من يعنيهم الأمر بقصّة أحد رعاة الأغنام من أهل اليمن، والذي كان له الفضل في اكتشاف القهوة العربيّة وطريقة إعدادها.. يومها، لاحظ الراعي أن أغنامه لا تنام خلال الليل، وتمرح بشكل غير طبيعي، بعد أن ترعى في مكان محدّد تنمو فيه شجيرات ليّنة، الأمر الذي دفعه الى تناول بعض ثمارها، وجرّب شربها مغليّة، ما جعله يشعر بنشاط غير اعتيادي.
وهنا يستعرض «أبو سعيد» الأدوات القديمة لتحضير القهوة: «المِحماس» لـ «تحميص» القهوة/ «المِبراد» (قطعة خشبيّة يوضع عليها البنّ في إنتظار انخفاض درجة حرارته)/ «النجر» («الهاون»، «المِهباج») لطحْن حبّات البنّ والهال وزهر القرنفل اليابس/ «دلّة التفويح»، لطبخ البنّ المطحون بعد إضافة الماء إليه/ «دلّة التبهير والتقديم»، بعد إضافة ملعقة صغيرة من الهال المطحون وقليل من الزعفران في قاع «الدلّة»، وقبل تصفية المزيج تمهيداً لتقديمه للضيوف/ ليأتي دور «الليف» الذي يمنع الهال من «التسلّل» الى فنجان الضيافة.
.. وحنين الى الدبكة و«جرّة المخيض»
وفي زاوية أخرى من المكان، يدور حوار بين «أم حسن» وجارتها اللتين تعدّان الخبز المرقوق، على التنّور والصاج في آن واحد، مستذكِرتين «عجائز أيام زمان» اللواتي كنّ يخفْنَ من «الحاكي» (الفرامافون/ الفونوغراف)، إذ كنَّ تعتبرنَه «صندوقاً أسود مسكوناً بالجنّ»، وموزِّعتين اهتماماتهما في ثلاثة اتجاهات:
الأول، هو الإسراع في المهمّة التي لا بدّ منها، قبل بدء عرس «ابن أم عبدالله» في ساحة الضيعة، لكي لا تضيع عليهما فرصة المشاركة في حلقة الدبكة..
والثاني، هو مراقبة «أم حسين» وهي منهمكة بـ «خضّ» اللبن وأقراص الجبن في «جرّة المخيض» للحصول على «السمن» والزبدة.. أما الثالث، فهو يرضي غرورهما، وهما تراقبان «المصوّراتي آرتين» وهو يسترق النظر إليهما من وراء كاميرته «العتيقة» المكوّنة من: «بدَن» خارجي يضمّ في داخله صندوق الأفلام، كيس أسود لحجب الضوء عن الفتحة الخلفيّة للكاميرا، وحمّالة الكاميرا بأضلاعها الخشبيّة الثلاثة.
أطيب كبّة لأحلى مشوار «عالبيدر»
وبعد «الحلّاق» و«عقيل النجّار» و«الفاخوري أبو ملحم»، يأتي دور «أم علي» المنهمكة بإعداد «أطيب كبّة» لزوجها الذي وعدها بـ «مشوار عالبيدَر»، و«هونيك كان أحلى حبّ»..
وذلك، من دون أن تغفل وجود «الكندرجي أبو كريم» في الجهة المقابلة لمنزلها، حيث يضجّ محله المتواضع بأدوات العمل التي اختفت معالمها من الأرياف اللبنانية في الخمسينات (جلود الأبقار لصناعة الأنعال، المسامير، خيطان القنّب، شمع النحل، الصمغ، والأصباغ)، غامزة لجارتها من قناة إعجابه برشاقتها وهي تستخدم «جرن الكبّة»، هامسة في أذانها وهي تضحك: «بيدقّ مسمار عأيدو ومسمار بالصبّاط»!
«مجلِّخ.. مجلِّخ»... وحسرة على «أيام العزّ»
ويكتمل مشهد الضيعة مع «جاروشة أم عفيف» و«طابونتها» (فرن قديم لإعداد الخبز والمناقيش)، كما مع عدّة عمل «الحدّاد داوود» الذي لا يزال محتفظاً بمهنته التي ورثها «أبّاً عن جدّ»: سندان، مطرقة، مبرَد، «مشدّة»، فحم حجري، وملاقط متنوّعة الأحجام.
ومن البعيد، يتناهي الى مسمع الزائر نداء يردّد صدى الماضي البعيد: «مجلِّخ مجلِّخ.. عطونا هالسكاكين لنجلَخهُن.. مجلِّخ سكاكين.. مجلِّخ مناجِل.. مجلِّخ مقصّات».. ويتابع «المجلِّخ أبو حسن» طريقه متحسّراً على «أيام عزّ» مهنته، خاصّاً «المبيّض» بنظرة فاقت بمعانيها كل الأسى الذي يحمله في صدره.
صندوق «جهاز» العرس في الصدارة
ولأن الفينيقيّين كانوا أول من نفخ في الزجاج، في القرن الأول قبل الميلاد، يأبى ابن مدينة صور «أبو سليمان الإزّاز» إلا أن يكون وفيّاً لماضٍ ورث حكايته..
تماماً كما أنبوب النفخ المصنوع من الحديد، يغمسه في الزجاج المنصهِر قبل البدء بالنفخ فيه بغية الحصول على الشكل المطلوب، بما يؤمّن متطلّبات الزينة في «ديوانيّة أبو عبّاس»، وأدوات متنوّعة في منزل «ستّ البيت» التي لا تزال محتفظة بصندوق «جهاز» عرسها في أهمّ ركن فيه، مستذكرة «المنجّد» الذي كان له الفضل في «تنجيد الفُرش واللُحْف والمخَدّات»، مستخدماً عدّة الشغل البدائيّة: القوس، الإبرة، الكشتبان، و«المدقّة»..
وترتسم على محيّاها ابتسامة رضا وهي تغني لابنها الرضيع كي ينام: «يلّلا تنام، يلّلا تنام.. لادبحلك طير الحمام.. روح يا حمام لا تصدّق، عم كذّب عاابني تينام».
.. وأطيب فنجان قهوة لأحلى صبيّة
وختاماً، تُطْوى صفحات حكاية الضيعة على مشهد «دلال» وهي تحمل على رأسها جرّة ملأتها ماءً من البئر.. عينها الأولى على خطيبها قاسم وهو يقوم بتشغيل «الدرّاسة» لطحن القمح اليابس، استعداداً لفصله عن القشّ بواسطة «المدراية» المكوّنة من مروحة و«غرابيل» مختلفة الأحجام ودولاب يُدار يدويّاً..
تسرح بنظرها إلى البعيد، وتبعث الى قاسم بكلمات تتفوّه بها همساً: «تقبرني إنشالله.. تعَبْت كتير بموسم الحصيدة»، وذلك قبل أن يقطع عليها «أبو علي» عزلتها بـ «أطيب فنجان قهوة لأحلى صبيّة»!
بيروت ـ وفاء عواد
