أمضى الرئيس الأميركي باراك أوباما ال18 شهرا الأولى من رئاسته ساعيا وراء إصلاح ما أفسدته إدارة سلفه، جورج بوش، في الشرق الأوسط. وقد حقق بعض التقدم.
ولكن مع الأخذ في الاعتبار البطء الشديد الذي شهده التحول في السياسة الأميركية، فإن إدارة أوباما تواجه خطر تنفيذ أفكار ربما كانت ستفيد لو كان بوش نفذها قبل عشر سنوات. فالمنطقة قد تجاوزت تلك الأفكار بالفعل.
وهذا نمط معتاد. فعلى مدى عقود مارس الغرب لعبة «المساكة» مع الشرق الأوسط، الذي صوره على أنه منطقة راكدة. غير أن الشرق الأوسط يتطور أسرع مما يتخيل صانعو السياسة الغربيون، وعلى خلاف ما يتوقعون.
وكقاعدة عامة تدرك الحكومات الأميركية والأوروبية أخطاءها في النهاية، ولكن عندما يتحقق ذلك الإدراك المتأخر، تأتي التعديلات التي تدخلها تلك الحكومات لإصلاح أخطائها وقد فات أوانها، وتصبح غير فعالة.
في أعقاب الحقبة الاستعمارية، عندما ظهرت حركات التحرر الوطني العربية وتسلمت السلطة في أنحاء الشرق الأوسط، كان رد فعل أوروبا هو إما تجاهل التحدي، الذي شكلته تلك الحركات، أو التعامل معها على أنها مجرد كيانات مزعجة، يحركها الاتحاد السوفييتي السابق.
وفي الوقت الذي أدرك الغرب أهمية وشعبية تلك الحركات، كانت قوة أوروبا قد توارت منذ زمن، وتراجعت سمعتها في المنطقة نتيجة آثار الاستعمار الجديد.
تكرار الأخطاء
وبالمثل، أدركت الولايات المتحدة، إدراكا كاملا، حجم التهديد الذي يشكله المتشددون في أعقاب هجمات 11 سبتمبر، بعدما كانت واشنطن قد غذت ذلك التشدد بمساعدتها الجماعات المتشددة في حربها ضد الاتحاد السوفييتي في أفغانستان في الثمانينات.
ولم تتعامل واشنطن مع قضية الدولة الفلسطينية إلا في العام 2000، عندما أصبح تنفيذ حل الدولتين لإنهاء الصراع الفلسطيني الإسرائيلي صعب المنال، نتيجة التطورات الميدانية وفي كل من الجانبين الإسرائيلي والفلسطيني.
النزوع الغربي إلى تبني سياسات عفا عليها الزمن فيما يتعلق بالشرق الأوسط، يتكرر من جديد الآن. فبرغم محاولاتها المشكورة لإصلاح أخطاء إدارة بوش، فإن إدارة أوباما تقع بدورها في الخطأ بتبنيها افتراضات غير صحيحة، بشأن ميزان القوى في المنطقة. فواشنطن لا تزال ترى الشرق الأوسط على أنه مقسم بشكل واضح بين معسكرين؛ معسكر معتدل، أميركي الولاء، يجب دعمه، ومعسكر متشدد، ولاؤه لقوى إقليمية، يجب احتواؤه. وهذا الفهم منفصل تماما عن الواقع.
ومما يثير الاستغراب أن هذا المنظور يماثل نظرة إدارة بوش إلى العالم، التي رفضتها إدارة أوباما في كل بنودها الأخرى تقريبا. أنصار تلك النظرة يفترضون وجود تصور غربي مقنع للسلام والرخاء، يمكن لمن يسمون المعتدلين في المنطقة الالتفاف حوله، حتى رغم أن مصداقية الولايات المتحدة وأوروبا في أقل مستوياتها على الإطلاق.
وهذه النظرة تقلل من شأن دور اللاعبين البارزين الجدد، ولا تفهم هذا الدور. ومن هؤلاء اللاعبين تركيا، التي لا تنطبق عليها مواصفات أي من المحورين السابق ذكرهما، الاعتدال والتشدد، والتي يبدو أن مبدأها الأساسي هو إلغاء الهامش بين المحورين، أو التمركز في موقع وسط بينهما. الأكثر أهمية هو أن تلك النظرة تفترض مشهدا راكدا نسبيا، في منطقة تتحرك بشدة.
تجاهل التركيبة المتغيرة للشرق الأوسط يجعل من الصعب فهم أهمية التعديلات السياسية الراهنة. إذا كان الهدف هو دحر المتشددين من أجل تقوية المعتدلين، فكيف ننظر إلى عودة الاتصالات بين قوى إقليمية تعد معتدلة وحركة حماس أو تقارب تلك القوى مع سوريا؟
وما هي الفكرة التي يمكن تكوينها عن نظام الحكم في دمشق؟ وكيف يمكن تفسير السياسة التركية متعددة الأوجه التي تحافظ على علاقاتها بالغرب، وتعمق صلاتها بسوريا، وتمد يدها إلى حماس، وتجري اتفاقات نووية إقليمية؟
بتجاهلها للتحولات غير الملموسة التي تحدث وبانتظارها للتغييرات الهيكلية التي لن تحدث أبدا، تضيع واشنطن فرصا واقعية للمساعدة في إعادة تشكيل المنطقة.
لدى أوباما فرصة لتغيير المسار بتبنيه سياسة أكثر واقعية، لكن ليس بإمكانه الانتظار طويلا، فربما تستيقظ الولايات المتحدة قريبا على شرق أوسط ستكتشف أنه أكثر استعصاء على الفهم والتأثير فيه.
انجازات الماضي
يعتبر البعض أن الولايات المتحدة وصلت إلى ذروة قوتها وهيبتها، في الشرق الأوسط، في التسعينات من القرن العشرين. استعرض الرئيس الأميركي الأسبق جورج بوش الأب مظاهر تلك القوة العسكرية الهائلة، بإخراج العراق من الكويت، في العام 1991. وكان أداؤه الدبلوماسي على القدر نفسه من القوة، بانعقاد مؤتمر مدريد للسلام.
وسار الرئيس بيل كلينتون على خطاه في هذا الصدد، فاحتوى القوى الكبرى في الخليج، وواصل عملية السلام، وتمكن من إحلال هدوء مؤقت في لبنان باتفاق مع سوريا.
وبنظرة شاملة يتبين أن واشنطن استطاعت في تلك الفترة أن تجمد بنجاح المشكلات الثلاث الرئيسية في المنطقة، وخاصة الصراع الفلسطيني الإسرائيلي، والوضع في لبنان. هذا التوازن الجديد أدى إلى بروز تحالف بين كل من السعودية ومصر وسوريا، مما سهل إحداث استقرار في موازين القوى العربية الداخلية.
ورغم أن التقدم في عملية السلام كان بطيئا ومحبطا ومخيبا للآمال، فانه جعل المنطقة أقل تحسسا إزاء استمرار العلاقات الخاصة بين أميركا وإسرائيل. لكن هذا النظام الإقليمي، الذي تشكل بصعوبة، انهار مع تفجر الانتفاضة الفلسطينية في سبتمبر 2000. ولم يزدد الأمر إلا سوءا خلال رئاسة جورج بوش الابن.
نتائج غير متوقعة
وقد أدى توجه تلك الإدارة نحو المنطقة وردها على هجمات 11 سبتمبر 2001، إلى تغيير جذري في البنية الأمنية للمنطقة. فبقضائها على طالبان في أفغانستان وعلى صدام حسين في العراق، أزالت واشنطن بشكل لا إرادي أكبر تحديين استراتيجيين للقوى الإقليمية الأخرى في المنطقة، التي وجدت الطريق ممهدا أمامها لممارسة نفوذها واستعراض قوتها.
وفي الوقت نفسه، بعد انهيار المحادثات الإسرائيلية الفلسطينية، أعادت إدارة بوش صياغة المبادئ الأساسية لعملية السلام.
واعتبرت أن التقدم الحقيقي يعتمد على شروط مسبقة، يجب على الجانب الفلسطيني تنفيذها، ومنها تغيير القيادات الفلسطينية، وإقامة مؤسسات موثوقة في الأراضي المحتلة، وشن حرب غير واضحة المعالم على خطر إرهابي غير محدد بدقة. وكانت النتيجة هي إحداث نوع من الاستقطاب في المنطقة برمتها وداخل السلطة الفلسطينية بصفة خاصة.
وفي النهاية تجاوزت واشنطن، التي لم تسعد بدرجة كافية بتأمينها انسحاب سوريا من لبنان، الحدود مرة أخرى عندما سعت إلى تحقيق هدف غير واقعي ثلاثي الأبعاد، لعزل دمشق، ونزع سلاح حزب الله، وضم لبنان إلى المعسكر الموالي للغرب.
ورغم أن السياسة الأميركية ساعدت على وضع حد للمآزق، التي أصابت كلا من لبنان والعراق، فقد تحقق ذلك مقابل خسائر بشرية وسياسية كبيرة. وعلى نطاق أوسع، أدى استئناف الأزمات في الخليج ولبنان وبين الفلسطينيين والإسرائيليين إلى إيجاد تنافس متواصل ومستعر وعنيف في بعض الأحيان، على امتلاك ميزان القوة بين دول المنطقة، وفي داخل بعض الدول، مثل لبنان والعراق والأراضي الفلسطينية. وفجأة بدا كل شيء في مهب الريح.
وقد حدث هذا الانتشار للنزاعات وظهور تهديدات جديدة للمصالح الأميركية في الوقت الذي كانت قوة واشنطن تتآكل بينما كان منافسوها الإقليميون يزدادون قوة.
وقد واجهت القوة العسكرية الأميركية تحديات خطيرة، قلصت من قدراتها بشكل مباشر في أفغانستان والعراق، وبشكل غير مباشر، من خلال النكسات التي تعرضت لها إسرائيل في حربيها في لبنان وغزة.
على الرغم من ذلك جعلت واشنطن ترويج الأفكار الليبرالية عماد سياستها في الشرق الأوسط، مقدمة رؤية أخلاقية سامية لدورها، في الوقت الذي كانت تدوس على المبادئ، التي تشكل تلك الرؤية. فالرئيس الذي بنيت سياسته الخارجية على القدرة على إقناع العرب بالقيم الديمقراطية، قضى على أي أمل في ذلك من خلال احتلاله العراق، ورفضه نتائج الانتخابات البرلمانية الفلسطينية في يناير 2006، وإبداء لا مبالاة زائدة إزاء تصرفات إسرائيل، سامحا بحدوث انتهاكات لحقوق الإنسان، أشهرها في خليج «غوانتانامو» وسجن أبو غريب بالعراق.
وقد وضعت فلسفة «إما معنا أو ضدنا»، التي جعلها بوش عنوانا لحربه على الإرهاب، حلفاء واشنطن من العرب في علاقة غير مريحة ومكلفة سياسيا، مع اتساع نطاق الكراهية للولايات المتحدة.
ووجد خصوم أميركا أن معوقات تمددهم الجغرافي وصعودهم السياسي قد زالت. ولا تزال واشنطن تطبق سياسات متضاربة، فهي تحارب نفوذ قوى إقليمية تسعى لامتلاك قدرات نووية، بينما تحمي البرنامج النووي الإسرائيلي الغامض.
وهي تحتفظ بعلاقات مع نظم قمعية صديقة بينما تسعى لنشر الديمقراطية، كما تسعى لوقف العنف في غزة ولبنان، وهي لا تقيم اتصالات مع حماس ولا حزب الله. كما أنها تريد دفع عملية السلام، بينما توسع الفرقة بين الفلسطينيين. الأسوأ من ذلك كله، أن واشنطن تريد تنفيذ ذلك، وهي لم تعد ينظر إليها على أنها بالقوة نفسها التي كانت عليها من قبل.
لا مكان لنموذج التسعينات الأميركي في الشرق الأوسط
بعد سقوط الاتحاد السوفييتي، تشبث صانعو السياسة الأميركيون بتوجه الحرب الباردة في السياسة الخارجية، فقسموا العالم إلى أصدقاء مخلصين، وخصوم واضحين. كما ركزوا دبلوماسيتهم في علاقات ثنائية مستقرة نسبيا، حيث اعتمدوا على الحلفاء في تنفيذ مصالح محددة بدقة واحتواء الأعداء.
وخلال التسعينات نجح هذا النموذج كوسيلة فعالة نحو سياسة الشرق الأوسط، لأنه كان لدى واشنطن مساحة كافية للمناورة من دون أن تواجه تحديا حقيقيا. اليوم أصبح هذا النموذج غير مناسب.
حاليا، تجرب واشنطن حظها في تحقيق مصالح متضاربة وأحيانا غير متوائمة. وقد تعلم الأنصار المحليون طرقا مختلفة خطابية وعملية لمقاومة الضغط الأميركي، وطرقا أخرى للبقاء وربما التألق من خلال قول «لا».
والأطراف التي لا ينطبق عليها وصف الدولة التي يصعب إقناعها أو ردعها، ازدادت قوة. وباستطاعة خصوم أميركا اليوم استخدام الرأي العام لمصلحتهم، كما تفعل حماس وحزب الله.
ولم تعد أطراف المعادلة السياسية في المنطقة تنطبق عليها مواصفات الاعتدال أو التشدد بدقة. رغم أن واشنطن لا تزال ترى الشرق الأوسط وفق ذلك التقسيم، الذي يعميها عن رؤية التغيرات التي تغذي آليات الحراك السياسي في المنطقة. ومن المثير أنه بات من تعتبرهم واشنطن حلفاء لها يمارسون سياسات لا تتفق مع المصالح الأميركية، بينما يتبنى خصومها أحيانا، أهدافا تتوافق معها.
لقد أبدت إدارة أوباما قدرا من الضبط. ولإدراكها تراجع مصداقيتها في الشرق الأوسط وعدم قدرتها على حل الأزمات بمفردها، سعت إلى تنشيط عملية السلام، ومدت يدها إلى قوى إقليمية مثل سوريا، وتخلت عن عقلية «الحرب على الإرهاب» البسيطة التي ورثتها عن إدارة بوش. كما أعادت صياغة مبادئ الأمن القومي الأميركي لتسمح بظهور عالم به عدد أكبر من الأقطاب.
تباين واضح في قيم ومصالح الأطراف المعنية بالمنطقة
ليس من المفاجئ أن الغرب يجد صعوبة متزايدة الآن في التعامل مع مواقف معقدة من خلال منظور جامد أحادي الجانب. وليس من السهل وضع إسرائيل وحركة فتح الفلسطينية ورئيس وزراء العراق نوري المالكي، مثلا، في خانة «معسكر الاعتدال»، في حين أن هذه الأطراف لا تتبنى قيما ولا مصالح مشتركة.
فكل منها له علاقات قوية بواشنطن، ولكن للتوضيح، فكل طرف له أهداف واعتبارات مختلفة تكون متضاربة أحيانا. كما أن دولا بارزة في معسكر الاعتدال، لا تجمعها قواسم مشتركة كثيرة.
ويحتاج أطراف معسكر الاعتدال هذا بشدة إلى أجندة أميركية موثوقة، يمكن أن يلتفوا حولها، ويبرروا بها اصطفافهم مع واشنطن. وفي غياب مثل هذه الأجندة، تتنافس رؤيتان إقليميتان أخريان. الأولى تشدد على ضرورة مقاومة إسرائيل والغرب، وتفضل الأحلاف الأمنية والحشد العسكري.
والثانية، التي تعد تركيا من أبرز دعاتها، تبرز أهمية الدبلوماسية القوية، وترابط كل الأطراف، والاندماج الاقتصادي. كلا النظرتين تنسجم مع مشاعر بالاستياء في الدول العربية. ويتضح أن المنطقة تنظم نفسها بطريقة أقل اتساقا مع سياسة واشنطن، وفي غياب سياسة أميركية واضحة.
ما يجمع أطراف معسكر التشدد هو الحاجة لمواجهة التهديد الأميركي الإسرائيلي. وكلما زادت الضغوط الغربية والإسرائيلية على هذا المعسكر كان من السهل تجاهل خلافاته أو تقليل شأنها.
وفي الوقت نفسه، تواجه أطراف معسكر الاعتدال الذي تقلقه عملية السلام الراكدة، والقيادة الأميركية الضعيفة، تناقضات اجتماعية وسياسية متزايدة، وأزمات تغيير زعامات، وإغراءات متفاقمة بالانكفاء على الداخل.
المثير للسخرية هو أن واشنطن أثبتت أنها كانت على مدى العقد المنصرم أكثر نجاحا في دعم ترابط خصومها، من صيانة وحدة حلفائها.
بقلم: روبرت مالي ، بيتر هارلنج - ترجمة: عصام بيومي
