من العجيب والمفزع في عصر الإنترنت أن ينجح قس فاشل ومعتوه في لفت انتباه الرئيس الأميركي وقائد القوات العسكرية الأميركية في أفغانستان إليه، وأن يتسبب في نصب الحواجز العسكرية على طول الطرق الرئيسة في نيودلهي، وأن يثير المظاهرات العنيفة في مقاطعة سوغار جنوبي كابول، لا شك في أن هذه هي عولمة الجنون، وذروة ما وصل إليه منطق معين يوجه العالم اليوم.
آمن الكثيرون بالعنف وسيلة لإقناع العامة وقلب الأنظمة القائمة، منذ أيام الفوضوي الروسي ميخائيل باكونين، حيث أصبح استهداف المعالم البارزة، لإيقاع أثر أكبر في النفوس، أمراً مألوفاً، والأمثلة على هذا كثيرة، ومنها الهجوم الأول على مبنى مركز التجارة العالمي، وتفجيرات مدينة أوكلاهوما، وأحداث 11 سبتمبر.
هذه الأحداث احتاجت من منفذيها إلى ارتكاب القتل والانتحار، من أجل لفت الانتباه إليهم، لكن القس تيري جونز الذي هدد بإحراق نسخ من القرآن، حقق إنجازاً جديداً يستحق أن يتم تدريسه لأجيال وأجيال.
وهو تحقيق الدعاية المطلوبة عن طريق الإيماءات والإشارات الغبية، وساعدته على هذا مجموعة من الظروف، ففي الماضي كان لفت الانتباه باستخدام الإشارات والأقوال الغبية يتطلب منبراً ثابتاً ووضعاً مؤسسياً وقيادياً راسخاً، وأتباعاً كثر، لا مثل القس جونز، الذي يتبعه قلة من الناس يجتمعون في مخزن، أما في عصر الإنترنت فإن لفت الانتباه لفعل الغباء صار حقاً ديمقراطياً غير مشروط للجميع، حيث تتكفل الماكينة الإعلامية بتقديم الميكروفون دون أي رقابة لأي كان، حتى لو كان من غير مؤهلات، وحتى لو كان في الحقبة الماضية عاجزاً عن أن يكتب رسالة لمحرر مجلة تسوق محلية.