يجتاح المشهد السياسي الأميركي، عملية تحوّل غير مسبوقة. وهي مرشحة لإحداث تغيرات عميقة وبعيدة، في مختلف جوانب التركيبة والأوضاع السائدة. وربما لإحداث نوع من الانقلاب، في الموازين والتوجهات؛ إذا ما بقيت محتفظة بزخمها.
في الواقع وعلى الأقل حتى الآن، عملية التحرك ما زالت صاعدة. تتمدّد وتكتسح الساحة، على حساب الحزبين «الديمقراطي» و«الجمهوري». بل على حساب صيغة التوازن المعمول بها.
«حزب الشاي»، المولود الجديد من رحم اليمين «الجمهوري»؛ يشق طريقه بسرعة ملفتة وبدرجة عالية من الاستقطاب، لا يحمل من مواصفات الحزب، سوى الاسم، لا قيادة له ولا زعامة ولا تنظيم، فقط حركة، لكنها تكبر مثل كرة الثلج المتدحرجة. أنه مجرد تيار، لكنه جارف على رأسه رموز، من عتاة «المحافظين»؛ القادمين من قطاعات السياسية والإعلام والمال والأعمال.
يعتبر أشدّ تزمتا من «المحافظين» الجدد، ول«الشاي» سلاح وهو خطابه الموتور وطروحاته الفجّة بل الخطيرة؛ التي تمثل حالة تطرف جذري يجتاح أميركا، كما لم يكن من قبل حتى أن الكثير من مفرداته، مأخوذة من قاموس العنصرية ويكاد ينطق باللسان الصريح، بأن أميركا بلد للبيض المنحدرين من أصل انكلوساكسوني والباقين من الأتباع.
الحركة جاءت في وقتها
و«الشاي» حملة رموزها وأنصارها على الأجانب وخاصة على الإسلام والمسلمين والعرب، بلغت حدود التحريض المكشوف، وجعلوا من مشروع المركز الإسلامي في نيويورك، موضوع حرب حضارات وامتدت الموجة إلى مراكز أخرى في عدة ولايات؛ وبنفس الدرجة من الكراهية العمياء.
يحمل لغة الحقن والاستعداء، ضد الغير ما زالت منفلتة من كل عقال، وقد شملت أيضا الرئيس أوباما، وبنبرة فاقعة في عنصريتها. الخطير في ذلك أن هذه الحركة، السائرة باتجاه التحول إلى تنظيم خلافا لغيرها من الظواهر السابقة التي لمع بريقها بين الحين والآخر، في فضاء السياسة الأميركية؛ جاءت في ظرف موات لنموها وتحكّمها.
يذكر أن قبلها، ظهرت قيادات وجرت محاولات، لدخول مسرح اللعبة السياسية من الباب العريض للإصلاح، مثل ظاهرة المرشح الرئاسي روس باروت وحزب «الخضر» بزعامة رالف نادر، لكنها سرعان ما انطفأت بسرعة وتلاشت، لم تكن الأوضاع بالتردي التي هي فيه الآن.
ولا كان الانقسام بالعمق الذي هو فيه اليوم؛ والذي «لم تعرف أميركا مثله منذ الحرب الأهلية، أيام الرئيس لنكولن»، كما يقول الرئيس الأسبق كارتر. ان خطاب «المحافظين» الجدد، الذي بدأ مع الرئيس ريغان وبلغ ذروته مع طاقم الرئيس بوش الابن؛ لم يكن قد فعل فعله بعد.
الآن وبعد مجيء أوباما؛ بلغ أقصاه، حيث ضرب منسوب الاحتقان، الرقم القياسي. ومع تداعيات الأزمة المالية التي تركها بوش وعدم تمكن أوباما من تقديم المعالجات السريعة لها؛ ازدادت النقمة، فمعدلات الفقر ارتفعت 3، 4 في المئة في السنوات الأخيرة وباتت في حدود 14،3 في المئة، كذلك معدلات البطالة ما زالت بحدود 10 في المئة. كل ذلك مع حملات التخويف والتأليب ضد «الغرباء» وبالذات العرب والمسلمين؛ كل ذلك أعطى هذا التيار المندفع بقوة، ذخيرة للهجوم باتجاه استرداد زمام السلطة.
«شاي»
وهذا هو المقصود من اسمه، الذي تمّ اختياره تيمنا بحادثة التمرد التي أبداه الأميركيون قبيل الاستقلال؛ على دخول ثلاث سف بريطانية محملة بالشاي إلى مرفأ مدينة بوسطن وكان ذلك من ضمن عمليات الثورة الأميركية لطرد الاستعمار البريطاني وانتزاع السيادة.
حزب «الشاي»، يقول بأنه يسعى لاسترجاع زمام السلطة من الحزبين، فهو يعترض على أصله «الجمهوري»، بزعم أنه ضعيف ومتهاون ويمقت خصمه «الديمقراطي»، خاصة أوباما، بذرائع رخيصة تشكك بولائه؛ مثل الزعم أنه لم يولد في أميركا وأنه «اشتراكي» ويحنّ إلى أصوله الكينية وغيرها من السخافات الدنيئة التي تنضح بالسموم.
سريع الانتشار
الأخطر، أن هذا التيار المنغلق واليابس في مقارباته القائمة على الإلغاء والاحتقار للآخر، انطلق قطاره بسرعة وبحضور قوي وبارز؛ عشية انتخابات الكونغرس، وهو الآن نجم الحملة الانتخابية وحديثها السياسي والإعلامي، فهزم ماكينة «الجمهوريين»، في معركة الفوز بالترشيح؛ وفي دوائر لهم فيها جذور راسخة وهو يتقدم لكسب عدد من المقاعد في مجلسي النواب والشيوخ.
لرئاسة 2012
الأكثر خطورة، أن عددا من رموز «الشاي» القيادية يسنّ أسنانه لخوض معركة الرئاسة عام 2012. من أبرزهم رئيس مجلس النواب الأسبق، نيوت غينغريتش؛ أستاذ إثارة النعرات والعصبيات الذي كسر كل الضوابط في خطابه التخويفي والتحريضي العنصري، ضد الإسلام الذي صوّره وكأنه هاجم لابتلاع أميركا، كما تجاوز كل الخطوط في مطاردته للرئيس أوباما وبذات اللغة والمفردات المعجونة بالكراهية والاستعلاء.
ومنهم كذلك، ساره بالن؛ التي سبق وشغلت منصب الحاكم لولاية ألاسكا والتي خاضت معركة الرئاسة كنائب للمرشح الرئاسي السناتور جون ماكين، ضد اوباما.
الآن هي نجم «الشاي» ووصلت بخطاب شعبوي، لا مكان فيه لغير المزايدة والتشدّد بغير حدود؛ في المجالين الداخلي، بشكل خاص، والخارجي العام، وتعدّ نفسها لخوض معركة الرئاسة أيضا.
أن مثل هذه الشخصيات، تركب موجة الرفض ومشاعر الإحباط السائدة، في الساحة الأميركية.؛ من دون أن يكون لديها أجندة واضحة متماسكة «لقد بات حزب الشاي واحدا من أقوى الحركات السياسية وأكثرها نفوذا؛ في تاريخ هذا البلد».
يقول محللون، في ضوء الاستطلاعات التي أجروها، تكشف هذه الأخيرة، ان «35 في المئة من الأميركيين يدعمون هذه الحركة».
نسبة وازنة، إذا ما عرفنا أن نسبة التصويت في انتخابات الرئاسة تتراوح فقط بين 65 بالمئة في أحسن الأحوال.
واشنطن ـ فكتور شلهوب