لم يكن في الأمر أي مفاجأة للناخبين من الحزب الديمقراطي ذي الأغلبية في الكونغرس الأميركي، عندما يخرج الرئيس أوباما ونائبه جو بايدن مرتين خلال أقل من أسبوع، ويقدمان الشكر للرئيس السابق جورج بوش الذي ترك منصبه في ظل ادنى شعبية يحققها رئيس أميركي على الإطلاق بعد ريتشارد نيكسون وفضيحته الشهيرة ووترغيت.

فذاكرة الشعب الأميركي ليست ضعيفة، فهم لا ينسون أبدا قيام أوباما في كل خطاب له حول حالة الاقتصاد الأميركي بتقريع سلفه جورج بوش وتوجيه اللوم إلى سياساته الاقتصادية والمالية، وتحميلها مسؤولية الركود الاقتصادي وارتفاع معدلات البطالة، وإغراق البلاد في حربين دون وضع سيناريوهات محددة لسبل الخروج منها بكرامة وشرف.

وها هو أوباما بعد أقل من عامين على شغل منصبه في البيت الأبيض يعرب عن تقديره لسياسات الرئيس السابق، ولا يخفي نائبه إعجابه الشديد بها، وذلك للحد الذي اعتبرها واحدة من انجازات إدارة الرئيسين بوش وأوباما في آن واحد.

الأفضلية لبوش الآن

استطلاعات الرأي الأخيرة أظهرت انتعاشا مذهلا في الأفضلية للرئيس السابق بوش إلى حد أن الناخبين في ولاية أوهايو يتمنون حاليا لو استمر بوش في منصبه في البيت الأبيض بنسبة 50 في المئة، مقابل 42في المئة لأوباما، بل إن بعض المعلقين الليبراليين وأوباما قبل وصوله البيت الأبيض كان يعد واحدا منهم.

دعوا مؤخرا أوباما إلى التماس العون والنصيحة من الرئيس جورج بوش للمساعدة في إنهاء أزمة بناء المسجد في موقع انهيار البرجين الشهيرين بنيويورك، وأيضا في قانون الهجرة غير الشرعية الذي أصدرته ولاية أريزونا الأميركية.

ثم هناك أيضا مقارنات يومية تعقدها وسائل الإعلام الأميركية حول تجاوزات بوش في الماضي مع الواقع الذي يحياه الأميركيون حاليا مع أوباما، وإذا كان الناخبون غاضبين بسبب العجز في عهد بوش، وبسبب الحرب على الإرهاب، وبسبب قوانين الهجرة، فمن المؤكد أنهم أكثر غضبا الآن بعد مرور سنتين من تولي أوباما.

وسيتوجه الناخبون الأميركيون بعد 39 يوما من الآن، وتحديدا في الثاني من نوفمبر المقبل لاختيار مرشحيهم، حيث يجري التنافس على مقاعد مجلس النواب وعددها 435 مقعدا، إلى جانب 36 مقعدا من مقاعد مجلس الشيوخ التي يبلغ عددها 100 مقعد.

وتشير استطلاعات الرأي حاليا، إلى وجود مخاوف حقيقية ومبررة داخل الحزب الديمقراطي بقيادة الرئيس الأميركي باراك أوباما، من إمكانية تحقيق الجمهوريين مكاسب في الكونغرس بمجلسيه، وهو ما سيمثل ضربة موجعة ومؤثرة لسياسات أوباما الداخلية والخارجية على حد سواء.

قلق الديمقراطيين

الأميركيون، وطبقا لآخر استطلاعات الرأي التي أجرتها صحيفة «نيويورك تايمز» مع قناة «سي.بي.اس»، لا يشعرون بالرضي عن تمثيلهم الحالي في الكونغرس، فذكر 34 في المئة من الناخبين أن ممثليهم الحاليين في مجلسي النواب والشيوخ يستحقون إعادة انتخابهم، بينما قال 55 في المئة إنه لابد من التغيير وانتخاب وجوها جديدة وضخ دماء أكثر حيوية في شرايين الكونغرس الحالي..

في حين أعرب نحو 70 في المئة من الناخبين عن عدم رضاهم على أداء الكونغرس الذي يسيطر عليه «الديمقراطيون» منذ قدوم أوباما إلى البيت الأبيض قبل عامين.

وبينما يزيد عدد الديمقراطيين حاليا بأغلبية 77 نائبا في مجلس النواب و أغلبية 58 عضوا في مجلس الشيوخ أمام منافسيهم الجمهوريين، إلا أن نسبة تأييد الناخبين الأميركيين للرئيس أوباما انخفضت إلى 50 في المئة العام الحالي مقابل 71 في المئة في عام 2009 .

الولع بأوباما

لكن الواقع يشير أيضا إلى أن إدارة أوباما الديمقراطية لا تتحمل بمفردها الاستياء الشعبي من الأوضاع الحالية، بل إن الجمهوريين لهم منها نصيب أيضا، وهو ما قد يترك الباب مفتوحا أمام صعود المتشددين من أعضاء ما يسمي بجماعة«حفلات الشاي».

وهم الذين يرفعون شعارات التحالف مع مصالح الشركات والتصدي لأية توجهات قد تقود من وجهة نظرهم إلى تدخل الحكومة في الاقتصاد، وسيادة المبادئ الاشتراكية على حركة الأسواق الحرة. وتؤكد هذه المؤشرات بوضوح أن جنون كراهية بوش والنشوة بتولي أوباما التي بلغت ذروتها في صيف العام 2008 انتهت الآن.

سوء إدارة

عدم رضا

قطاعات عديدة من الشعب الأميركي،خاصة الطبقة المتوسطة والتي يتراوح دخل الفرد فيها بين 40 و50 ألف دولار سنويا ترى أن إدارة الرئيس أوباما لم تفعل ما ينبغي عمله إزاء استمرار الركود الاقتصادي، وعدم الوفاء بالوعود التي قطعها أوباما على نفسه بشأن برامج التأمين الصحي والهجرة.

والتباطؤ الفاضح في عودة الشباب الأميركي من على جبهتي القتال في العراق وأفغانستان، وبقعة الزيت الشهيرة في خليج المكسيك، وتردد البيت الأبيض في التعامل مع واحدة من أكبر شركات النفط في العالم، وأخيرا جاءت مشكلة بناء مسجد بالقرب من موقع انهيار البرجين الشهيرين في نيويورك.

المسجد قضية انتخابية

فمنذ اللحظة الأولى التي أعلن فيها الرئيس أوباما تأييده لبناء مسجد بموقع غراوند زيرو في نيويورك حيث انهار برجا التجارة العالمي، فشلت إدارته في التعامل مع الموضوع الذي أصبح قضية انتخابية من الدرجة الأولى.

وأعلن الجمهوريون، وبشدة، رفضهم للمسجد، وحشدوا وسائل الإعلام لتأليب الرأي العام ضد أوباما والتشكيك في ديانته، لدرجة أن 37 في المئة من الأميركيين يعتقدون أنه مسلم وليس مسيحيا.وفي الوقت الذي ظهر فيه الجمهوريون جبهة واحدة ضد بناء المسجد، تصدعت جبهة الديمقراطيين. (البيان)

نيويورك - طارق فتحي