قد تكون العقبات أمام مفاوضات السلام بين الفلسطينيين والإسرائيليين كبيرة، لكن الفوائد التي من الممكن أن يحققها الطرفان عظيمة، وتستحق الجهد والمحاولة، أما العقبات فمنها ما يتعلق بالشأن السياسي الداخلي الإسرائيلي، حيث تقود الحكومة الإسرائيلية أحزاب وطنية ودينية محافظة.
والتنازل للفلسطينيين يعتبر إثماً لا يغتفر بالنسبة لتلك الأحزاب ومؤيديها من الإسرائيليين، كما أن الفلسطينيين أنفسهم منقسمون بشكل كبير لدرجة أنهم يعادون بعضهم كما يعادون إسرائيل، هذا بالإضافة إلى أن العديد من المراقبين الأميركيين يحذرون من العواقب المستقبلية لحل الدولتين.
حيث يرون أن الكيان الإسرائيلي آمن بشكل نسبي، وإن إجباره على اتخاذ خطوات تمهد لقيام دولة فلسطينية مستقلة قد يحيل ذلك الأمن النسبي في الضفة الغربية إلى ما يشبه الوضع في غزة أو لبنان.
هذه هي الطريقة التقليدية لحساب العواقب والحسنات في الصراع الفلسطيني الإسرائيلي، لكن تلك الطريقة تتغاضى عن الفوائد التي تتحقق بالحوار على حساب الصراع والحرب، فتلك الفوائد عظيمة بلا شك بحيث أنها من المفروض أن تطغى على كل العقبات القائمة، وتزيل تردد الطرفين في المضي قدماً نحو قبول دعوة الرئيس الأميركي باراك أوباما استئناف مباحثات السلام المباشرة.
من أهم فوائد مباحثات السلام أنها، أولاً، تعطل أو على الأقل تبطئ وتيرة القتل بين الطرفين، وكل من يجادلون في أن الاعتداءات الإسرائيلية قد تمكنت من إيقاف الهجمات الفلسطينية مخطئون، فبالنظر إلى إحصائيات العقد الماضي، وتحديداً منذ اندلاع الانتفاضة الثانية عام 2000، نرى أنه قُتل أكثر من 700 إسرائيلي، واستُشهد أكثر من 6300 فلسطيني.
ثانياً، تسهم مفاوضات السلام في تطوير التنمية الاقتصادية والسياسية بين البلدين، فخلال التسعينات، نجحت مباحثات أوسلو في إقامة مبادرات ومشاريع اقتصادية مشتركة بين الفلسطينيين والإسرائيليين، لكن معظمها توقف بعد عودة العنف بين الطرفين إلى سابق عهده.
ثالثاً، مع تقدم المفاوضات ستتكون شبكة اجتماعية قيمة من المجتمع المدني بين العرب واليهود، تشتمل على الأطباء والمهندسين والمدرسين وخبراء المياه والمزارعين، وآخرين ممن هم على استعداد للانضمام للطرف الآخر.
بغض النظر عن جنسيته، من أجل المصلحة العامة المشتركة، وهذه الارتباطات العفوية، التي من الممكن أن تتكون، ستسهم في توطيد السلام أكثر، كما أسهمت في توطيد السلام في شمالي إيرلندا، لولا أنها عادت وانتكست في وجه العنف والحرب من جديد.
رابعاً، ستؤدي مباحثات السلام إلى إضعاف لغة التشدد والانتقام بين الطرفين، وستخفف من حدة الخوف والضبابية في العلاقة بينهما.
بالإضافة إلى هذا، فإن مباحثات السلام ستحقق أهدافاً أخرى، قد لا تبدو ظاهرة للعيان، فمسؤلو السلطة الفلسطينية يقولون إنهم لن يكونوا قادرين على مواجهة التحديات التي يفرضها غريمهم السياسي حماس، ما لم تكن هناك وسائل لتحسين حياة الفلسطينيين في الضفة الغربية.
حيث أن مستوى المعيشة هناك ينبغي أن يعود لما كانت عليه الحال عام 2000، وتعاني السلطة الفلسطينية من عجز في الميزانية يبلغ 60%، كما أن نسبة البطالة في الضفة الغربية تصل إلى 20% تقريباً، ولا تستطيع السلطة إدارة شؤونها إلا بدعم دولي، معظمه قادم من الغرب.
أما بالنسبة لإسرائيل، فإن الفائدة المباشرة، التي ستجنيها من مباحثات السلام، تكمن في التخفيف من عزلتها الدولية، خاصة أن علاقتها الحميمة السابقة ببعض الدول، مثل تركيا، قد تضررت بشكل كبير، ويرفض السياسيون الإسرائيليون، بجميع أطيافهم، ما يعتبرونه تحيزاً دولياً ضدهم.
كما أن استئناف المفاوضات الإسرائيلية قد يعكس رغبة إسرائيل في حل صراع قد يؤثر، إذا استمر، على العلاقة بين الجيل الجديد من الأميركيين اليهود ونظرائهم في إسرائيل، وإبقاء حبل الود موصولاً بينهما.
إن دوامة العنف التي استمرت عقوداً طويلة قد تسببت بانشقاقات كبيرة بين الإسرائيليين الشباب، وأدت بهم إلى تبني آراء تتعارض والقيم الديمقراطية، التي تدعيها دولة إسرائيل، حيث أشار استطلاع جرى، أخيراً، في جامعة تل أبيب.
إلى أن 48% من طلاب الثانوية الإسرائيليين سيرفضون الأوامر المباشرة بإخلاء المستوطنات في الضفة الغربية، كما قال 50% منهم إن عرب 1948 لا يستحقون من الحقوق ما يستحقه اليهود في إسرائيل.
رؤية استراتيجية
يعمل إدوار هالي حالياً رئيساً لمؤسسة «دبليو إم كي للدراسات الدولية الاستراتيجية» وأستاذاً للعلاقات الدولية في كلية كلارمونت مكينا وجامعة كلارمونت للدراسات الدولية، ويحمل درجة الدكتوراة في العلاقات الدولية من جامعة جونز هوبكنز. أما درجتا البكالوريوس والماجستير فقد حصل عليهما من جامعة ستانفورد.
عمل قبلها نائب مدير مركز حقوق الإنسان في جامعة كلاريمونت، وهو أحد أعضاء المجلس الاستشاري في المركز حتى الآن، كما شغل عامي 1988 و1989 منصب عميد كلية الدراسات الدولية في جامعة باسيفيك، وعمل محرراً في مجلة الإستراتيجية والدبلوماسية منذ عام 1984 وحتى عام 1988.
وعمل في الكونغرس الأميركي مساعداً للسناتور جوزيف تايدنغز عامي 1966 و1967، وخدم في الجيش الأميركي عامي 1962 و1964 برتبة ملازم.
ألف هالي العديد من الكتب منها «استراتجيات الهيمنة: التوجه الخاطئ في السياسة الخارجية الأميركية»، و«ما بعد 11 سبتمبر».
بقلم: إدوارد هالي
ترجمة: يوسف جباعته
