مهد فوز مؤيدي إجراء مراجعة دستورية في الاستفتاء الذي أجري، أخيراً، في تركيا الطريق أمام فوز جديد لحزب العدالة والتنمية بقيادة رئيس الوزراء التركي الحالي رجب طيب أردوغان في الانتخابات التشريعية العام المقبل، ومن المتوقع للتغييرات الدستورية النهوض بالقيم الديمقراطية، وإضعاف قبضة العسكر، الذين كانت لهم في فترة ما الكلمة الأولى والأخيرة، بشكل أكبر.

أظهرت النتائج الأخيرة أن 58 % من الأتراك يؤيدون اقتراحات الحكومة إدخال تعديلات على الدستور، الذي صاغه الجيش، بعد أن انقلب على الحكومة عام 1980، وتتفق الحكومة وقادة المعارضة حالياً على اعتبار أن الاستفتاء إشارة دالة على الثقة بأردوغان وحزبه.

حزب العدالة والتنمية، الذي حكم تركيا منذ عام 2002، ضمن نظام حكم الحزب الواحد، لكن على أساس من الإصلاح الديمقراطي وتحرر الأسواق.

وتشير نتائج الاستفتاء إلى التأييد المستمر لحزب العدالة والتنمية في الانتخابات البرلمانية المقبلة، التي ستجري في يونيو المقبل، وهناك تكهنات عديدة تشير إلى أن حزب العدالة والتنمية سيكرر النجاح ذاته الذي حققه في الاستفتاء الأخير، وأن رجب طيب أردوغان سيسعى للوصول إلى منصب الرئاسة، عندما يصبح خالياً في العام 2012.

ترحيب

الاتحاد الأوروبي رحب بالتعديلات الدستورية، لكن المعارضة، بقيادة كمال كيليكدار أوغلو، الزعيم العلماني الجديد المنتخب للحزب الجمهوري المعارض، سعت لتصوير التعديلات الدستورية على أنها انتهاك للمبادئ العلمانية، التي أرسى دعائمها مؤسس تركيا الحديثة كمال أتاتورك.

وتشتمل حزمة التعديلات، المزمع إجراؤها، على عدة وسائل للحد من التمييز على أساس الجنس، والنهوض بالحريات المدنية وحماية خصوصيات الأفراد، لكن المعارضة اعتبرت أن تلك التعديلات ما هي إلى فقاعة تخفي وراءها السوء والبغضاء.

ويشتمل جوهر التعديلات على إجراء تغيير كامل في السلطة القضائية، بحيث يصبح للرئيس والبرلمان دور أكبر في تعيين كبار القضاة والمشرعين، وكذلك توسعة نطاق صلاحيات المحكمة الدستورية، والهيئة التشريعية المسؤولة عن التعيينات الجديدة، أما المعارضة فترى أن حزب العدالة والتنمية يسعى لملء المحاكم بالإسلاميين، تمهيداً لفرض حكم ديني على البلاد، أما البعض الآخر فقد تحدث بشكل غامض عن احتمال وقوع انقلاب مدني وشيك.

مثل تلك المخاوف مبالغ فيها إلى حد كبير، كما أنه لا توجد إشارات إلى أن حزب العدالة قد سعى للعبث بالعلمانية، أثناء فترة حكمه، كما أن نبرة التهديد التي تحدث بها أردوغان عن الذين صوتوا ضد التعديلات الدستورية، البالغة نسبتهم 42%، لن تزيد هؤلاء إلا قلقاً، حيث اتهمهم أردوغان بموالاتهم للانقلابات العسكرية، وذهب إلى أبعد من هذا بأن هدد بالتخلص منهم.

انقسام

وبالنظر إلى خريطة توزع الأصوات الانتخابية للاستفتاء الأخير نلحظ مدى التشظي والانقسام الذي تعيشه تركيا، فقد تركزت الأصوات الداعمة لحزمة التغييرات الدستورية في منطقة الهلال الضيق، الممتدة على طول المناطق الغنية على السواحل الغربية والجنوبية الغربية للبلاد، أما في اسطنبول.

أكبر مدن البلاد، فقد كانت النتيجة قريبة من المعدل العام للاستفتاء، حيث أيد التعديلات 55%، وعارضها 45%، أما المعارضة الوطنية، بقيادة دولة باشيلي، فقد كانت خيبة الأمل الكبرى من نصيبها، حيث إن الناخبين في مقاطعة العصمانية، مسقط رأس باشيلي، أيدوا التعديلات الدستورية.

وفي محاولة من أردوغان لتهدئة خواطر المعارضين، قال في خطاب الفوز إن من صوتوا ضد حزمة التعديلات يستحقون الاحترام أيضاً، لكن هذا لم يكن له أي تأثير يذكر في داعمي العلمانية الحضريين في تركيا، وبعد الخطاب توجه أردوغان برفقة الرئيس التركي عبدالله غول، لحضور جانب من مباراة كأس العالم النهائية في كرة السلة بين الولايات المتحدة وتركيا، حيث استقبلتهما الجماهير بهتافات الاستهجان.

ورغم الانتصار الذي حققه أردوغان، فإنه لا يشعر بالرضا، حيث إن الناخبين الأكراد في الأقاليم الشرقية الجنوبية المضطربة قاطعوا الاستفتاء، على أساس أنه فشل في تحقيق مطالبهم في الحصول على استقلال أكبر عن تركيا من الناحيتين الاقتصادية والسياسية.

حياة حافلة

ولد رجب طيب أردوغان، رئيس وزراء تركيا ورئيس حزب العدالة والتنمية، في 26 فبراير عام 1954 في اسطنبول لأسرة فقيرة، وكان يضطر لبيع البطيخ في طفولته، لمساعدة والده على مواجهة أعباء الحياة.

أتم تعليمه في مدارس «إمام خطيب» الدينية، ثم في كلية الاقتصاد والأعمال في جامعة مرمرة. انضم إلى حزب الخلاص الوطني بقيادة نجم الدين أربكان في نهاية السبعينات، لكن تم إلغاء جميع الأحزاب في تركيا على أثر الانقلاب العسكري الذي حصل عام 1980، ومع عودة الأحزاب عام 1983 عاد أردوغان من خلال حزب الرفاه، وتمكن من أن يصبح عمدة اسطنبول عام 1994.

أسس مع رئيس تركيا الحالي عبدالله غول حزب العدالة والتنمية، الذي خاض الانتخابات عام 2002 وفاز بها، ليصبح أردوغان بعدها رئيساً للوزراء.