في الأول من سبتمبر 2004، أول يوم دراسي في المدرسة رقم واحد في مدينة بيسلان، عاصمة جمهورية أوسيتيا الشمالية الروسية، في شمال منطقة القوقاز، اقتحم ملثمون مسلحون المدرسة الابتدائية واقتادوا المئات من التلاميذ ومدرسيهم إلى ملعب كرة السلة المغطى داخل المدرسة.

احتجز المسلحون رهائنهم لمدة ثلاثة أيام. وفي أواخر الصيف القائظ مات ثلاثة أطفال بسبب الجفاف. قتل آخرون عندما انفجرت سلسلة من القنابل اليدوية وأدت إلى انهيار سقف المبنى واشتعال النيران. هذه الأحداث تشير إلى جانب من وضع سكان شمال القوقاز، الذين يبدون مسجونين في أراضيهم وإلى حالة أشبه بالحرب الأهلية الخفية في روسيا، التي تحاول موسكو تبسيطها، ولا تجد حلا ناجعا لها.

كان حصار مدرسة بيسلان هو أكثر حادثة تمزق نياط القلب في مسلسل المجازر التي شهدتها روسيا خلال العقدين الماضيين. كما كانت فريدة من نوعها كذلك. فقبل عامين من ذلك، اقتحم مسلحون مسرحا في موسكو واحتجزوا جميع المتفرجين رهائن. وقتل 170 شخصا، عندما حاولت قوات الأمن الروسية اقتحام المكان لإنقاذ الرهائن. كما قتلت سلسة من التفجيرات الانتحارية في موسكو وحولها العشرات في العامين 2003 و2004. وقبيل كارثة بيسلان بأيام اسقط انتحاريون طائرتي ركاب روسيتين.

تاريخ من العنف

في نوفمبر 2009، أخرجت قنبلة قطار نيفسكي السريع عن مساره، وهو القطار الذي يربط موسكو بمدينة سانت بطرسبورغ، مما أدى إلى مقتل قرابة 30 راكبا. وكانت قنبلة أخرى قد أخرجت القطار نفسه عن مساره في أغسطس 2007، لكن من دون سقوط ضحايا. وفي مارس الماضي، فجرت اربع انتحاريات أنفسهن في مترو أنفاق موسكو، خلال ساعات الذروة الصباحية مما أدى إلى مقتل نحو 40 شخصا. ورغم قتامة هذه المحصلة، فانه لا يزال هناك المزيد، فهي لا تشمل عمليات العنف الأكثر ضراوة التي تحدث بانتظام في منطقة القوقاز الشمالية.

المثير للانتباه هنا هو أن الحكومة الروسية تبدو شبه عاجزة عن إيجاد حلول ناجعة للتعامل مع الاضطرابات في المنطقة، التي باتت مركزا لتفجير العنف السياسي المنتظم في البلاد. وقد حاولت الحكومة الروسية دفع الصراع في طريق الحل، من دون تحقيق تقدم يذكر. وفي إبريل 2009، أعلن الكرملين نهاية الحرب الشيشانية الثانية، أو بحسب الصياغة الرسمية «نهاية العملية المضادة للإرهاب» التي استمرت عقدا كاملا. وهو ما مهد الطريق لانسحاب ألوف من رجال القوات الفيدرالية التي كانت أرسلت إلى الشيشان.

وفي الصيف التالي، شهدت منطقة القوقاز التي توجد بها الشيشان ضمن سبع عرقيات مختلفة أخرى، تصاعدا كبيرا للهجمات المسلحة. حيث تجاوزت سلسلة من الاغتيالات والتفجيرات والعمليات الانتحارية حدود منطقة الحرب القديمة إلى الجمهوريات المجاورة، مثل داغستان، وانجوشيا، وقبردينوـ بلقاريا.

وغالبا ما يسارع المسؤولون الفيدراليون والمحليون إلى الإعلان عن اعتقال وقتل مخططي تلك الأعمال. وقد قتل شامل باساييف مخطط عملية بيسلان في العام 2006، كما قتل سعيد بورياتسكي المتهم بالتخطيط لهجمات مترو موسكو وعمليات أخرى في انغوشيا، قبل ثلاثة أسابيع فقط من تنفيذ العملية.

ويعترف المسؤولون الروس بأن الموقف يزداد سوءا. ففي أوائل العام الجاري، أعلن مسؤولو وزارة الداخلية الروسية إن عدد «الهجمات الإرهابية» في شمال القوقاز ارتفع بنسبة 60% في العام الماضي عن العام 2008. وقال مكتب المدعي العام في منطقة شمال القوقاز في الخريف الماضي إن 80% من حوادث الإرهاب في روسيا، تحدث في هذه المنطقة الصغيرة من الأراضي الروسية. وقد حاولت موسكو وضع الأمور تحت السيطرة، من خلال زيادة عدد عملاء الاستخبارات ودعم قوات حرس الحدود الفيدرالية، ولكن من دون جدوى تذكر. ففي أكتوبر 2009، أبلغ الرئيس الروسي ديمتري مدفيديف مجلس الأمن الروسي إن شمال القوقاز لا تزال أكبر مشكلات روسيا السياسية داخليا.

مشكلات مزمنة

لقد كانت مواجهة التهديدات الموجهة للأمن الداخلي الروسي، التي تأتي من الحدود الجنوبية، سواء الحقيقية أو الوهمية، أمرا متواصلا في التاريخ والأدب الروسي. «القوزاك قادمون، لا تنم» رواية كتبها أكسندر بوشكين في عشرينات القرن التاسع عشر، يقول فيها «في ظلمة الليل، يتجول الشيشان فيما وراء النهر». ولكن اليوم، وعلى العكس من زمن بوشكين، لا تبقى دسائس وصراعات شمال القوقاز محصورة في منطقة حدودية نائية ومضطربة. فهي تؤثر على قلب روسيا من الداخل.

وكلما انتشر العنف، ردت موسكو مستخدمة أساليبها الامبريالية، برشوة المسؤولين الإقليميين، وإرسال قواتها الضاربة لاستئصال المخربين المشتبه بهم. ولكن نجاح مثل هذه الإستراتيجية يعتمد على ولاء النخب المحلية وضعف منافسيهم. فهي لا تُكسب موسكو إلا قليلا من الوقت، من دون أن تحل مشكلات التنمية الاقتصادية ونظم الحكم. ويواجه مدفيديف المعضلة نفسها التي واجهها حكام روس سابقون: ما الذي يحدث عندما لا يكون بوسع الرشاوى والنفوذ الضعيف، إيقاف هؤلاء الذين يريدون التمرد على المركز؟

بدأت الحكومة الروسية بعد تولي فلاديمير بويتن الرئاسة، في العام 2000، تقديم نفسها في صورة حامية الحمى التي لا يشق لها غبار. ولكن دخان حرائق السياسة في شمال القوقاز، وتسرب العنف إلى الشمال من نهري تيريك وكوبان، اللذين يشكلان حدا طبيعيا ورمزيا يفصل بين وسط روسيا وجمهورياتها الجنوبية، أمور يمكن أن تلقي بظلال على هذه الصورة، وهو ما يؤدي في النهاية إلى تقويض شرعية الحكومة.

تداعيات خطيرة

إذا لم يستطع الكرملين السيطرة على دورة الهجمات والهجمات المضادة، عندئذ سيكون بمقدور الجماعات الوطنية الروسية ، التي يردد كثير منها خطابا شوفينيا يشوه الأقليات غير المسيحية في روسيا، أن تجد لها مسارا على خريطة السياسة الروسية. وقد تورطت هذه الجماعات بالفعل في هجمات إرهابية وعمليات قتل ضد مهاجرين مسلمين من القوقاز وآسيا الوسطى. ويظل احتمال حدوث أعمال عنف في الشوارع قائما بقوة، حيث تتداخل الأقليات الطائفية في روسيا بشدة حتى في العصمة موسكو.

وسيؤدي تزايد العنف داخل وفيما وراء القوقاز إلى تسارع ابتعاد روسيا عن الديمقراطية، من خلال استغلال هذه الأحداث بواسطة السياسيين الذين يعزفون على وتر الوعود بالانتقام للضحايا والضرب بيد من حديد على الجنوب الخارج على القانون. ومثلما فعل بوتين، خلال الحرب الشيشانية الثانية، فربما ترفع الحكومة حجة السلامة العامة لتبرر فرض المزيد من القيود على الحريات العامة وتركيز السلطة في قبضة الكرملين.

وكلا المحصلتين، أي المشاعر القومية المفرطة والمشاعر المعادية للاستبداد، ستؤديان بدورهما إلي عرقلة التقدم في مجال الحد من التسلح، وستجعلان من التعاون مع الغرب بشأن قضايا مثل الطاقة، وكوريا الشمالية، أكثر صعوبة. وتميل التفسيرات لما يحدث في شمال القوقاز من عنف وعصيان إلى النظر نظرة ضيقة ومحدودة للوضع.

أول الأسباب التي تقدمها موسكو لتفسير هذا العنف هو تنامي المشاعر الدينية. لكن موسكو مخطئة بتبسيطها أمر الاضطرابات في شمال القوقاز إلى هذا الحد. وتؤدي الممارسات التعسفية المبنية على استنتاجات خاطئة من جانب السلطات الروسية إلى انخراط عدد ليس قليل من الشبان في الجماعات التي تحمل السلاح ضد الحكومة. وكثير آخرون ينضمون إلى حركات التمرد رغبة بالانتقام لأفراد عائلاتهم الذين قتلوا أو عذبوا على أيدي القوات الحكومية، وليس بسبب نزعة التشدد. والنساء لسن استثناء من ذلك، حيث يعتقد أن فتاة في ال17 من العمر شاركت في الهجوم الانتحاري على مترو أنفاق موسكو، انتقاما لزوجها الذي قتلته قوات الأمن الروسية.

تبسيط مخل

إن تبسيط مشكلات شمال القوقاز ووضعها في الصورة التقليدية بإلصاقها بعملاء الشر، والمشاعر القومية، هو من قبيل الغفلة. ثقافات الشعوب الأصلية محل تفاخر واحتفاء في جميع أنحاء العالم، وهي تتسم أيضا بالعشائرية وكرم الضيافة، والشك أيضا. وقد تم تأجيج الهوية الوطنية بناء على هذه الصفات خلال العهد السوفيتي.

المشاعر القومية لدى الشيشان والشركس، بصفة خاصة، هي نتاج آلة الهندسة الاجتماعية السوفيتية، التي عملت على اصطناع جمهوريات قومية. ومما لا شك فيه أن الجماعتين لهما تاريخ طويل من الشعور بالظلم تجاه روسيا. ففي ستينات القرن التاسع عشر هجّرت الحكومة القيصرية آنذاك، في خطوة متعمدة لتفريغ منطقة متمردة من سكانها، 400 ألف شركسي إلى الإمبراطورية العثمانية بصفة خاصة، في سفن مكتظة بالركاب، مما أدى إلى مقتل الكثيرين في الطريق.

غير أن القومية مثل الدين إلى حد كبير، سبب ضعيف للتعبئة والعنف في شمال القوقاز. ولطالما اعتبرت انغوشيا منطقة هادئة مقارنة بالشيشان، لكنها الآن مصدر الخطر الأكبر في المنطقة. وقد كان رد فعل القوميات المختلفة في المنطقة على سقوط الاتحاد السوفيتي متباينا فبعضها ظل هادئا وبعضها ثار وسعى للاستقلال. كما أن اعتبار مقاومة الاحتلال سببا وحيدا للعنف ليس سليما أيضا. فخلال الاحتلال السوفيتي للشيشان، 1994ـ 1996، لم تكن هجمات انتحارية تذكر، وعندما تسلمت قيادة شيشانية محلية زمام الأمور اشتعلت الهجمات، وكانت تستهدف الشيشانيين، وليس مبعوثي موسكو في الشيشان. كما أن هجمات موسكو شنها أفراد ليسوا من الشيشان، ومن جمهوريات لم تشهد سيطرة عسكرية روسية.

السؤال المهم الآن هو حول وضع القوقاز في الفيدرالية الروسية. وطالما اعتمدت الدولة الروسية على الوكلاء والطغاة لإخضاع تلك المناطق، فإنها ستعود إلى ما كانت عليه في الحقبة القيصرية، مناطق غريبة مثيرة للمشكلات.

ترجمة: عصام بيومي بقلم: تشارلز كنج راجان مينون