كان ملحوظاً ذلك المشهد الإعلامي الذي لم يكن ليخلو من الدراما السياسية.. وقد شهدته أروقة البيت الأبيض ومكاتب الخارجية الأميركية في الأيام القليلة الماضية، وتراوحت شخصيات المشهد ما بين الرئيس الأميركي أوباما ووزيرة خارجيته السيدة هيلاري ومبعوثه الشرق أوسطي السيناتور ميتشل ـ هذا فضلاً عن الشخصيات المقبلة من بؤرة القضية الشرق أوسطية، حيث تعددت الألقاب والمسميات ـ بين ملك الأردن أو الرئيس المصري ورئيس السلطة الفلسطينية ورئيس وزراء إسرائيل.
صحيح أنه تم، ما وصفوه ب«إطلاق» المفاوضات المباشرة.. وبمباركة أميركية كما هو معروف. لكن الأصح أن «العرّاب» الأميركي لا يمكن أن يستمر راعياً لهذه المفاوضات، ولا أن يواصل السيد أوباما إضافة أسهم جديدة إلى رصيده السياسي في تحقيق نجاح فات إحرازه على الرئيس الأسبق كلينتون في إيجاد حل أو فلنقل تسوية مقبولة ومستساغة توصل إلى ما يوصف بأنه الحل النهائي أو الحل الدائم للقضية الفلسطينية.
الموعد في نوفمبر
وبديهي أن السيد أوباما لا يتطلع إلى مثل هذا الرصيد كي يضاف فقط إلى تَرِكته الرئاسية أو ميراثه السياسي الذي سيجد الطريق إلى تسجيله حسب الأعراف الدستورية الأميركية في مكتبة تذكارية تحمل اسم الرئيس المعني.
إن السيد أوباما مقبل على انتخابات برلمانية تعقد بعد أقل من شهرين ويخوض فيها حزبه الديمقراطي حرباً شرسة ضد المعارضة الجمهورية التي تزداد ضراوة بمرور الأيام. ويكفي لتبيان هذه الضراوة ما كشف عنه مؤخراً الكاتب الأميركي «فرانك ريتش» (ملحق نيويورك تايمز السياسي) في مقال ضاف وبالغ الأهمية أوضح فيه أن المعارضة اليمينية التي حملت اسم «حفلة الشاي» لم تكن مجرد ساحة لطرح الآراء ولا للحوار الديمقراطي، لوجه الله ولا لوجه الوطن الأميركي، بقدر ما كانت وما برحت عملية استقطاب لكل القوى المعادية للرئيس أوباما من حيث كونه مواطناً ينتمي إلى فصائل الملونين ذوي الأصل الإفريقي.. فما بالك بجذور تعود إلى ديانة الإسلام على نحو ما يتضح من الاسم واللقب ورغم كونه ـ حسب ما أعلنه ـ يدين بالمسيحية.
الممولون الكبار
المهم أن فرانك ريتش أكد أن هذه المعارضة اليمينية ممولة بصورة بالغة السخاء من جانب ثلاثة ممن يطلق عليهم في أميركا صفة «التايكون» بمعنى الملياردير الأمثل صاحب النفوذ الطاغي والثروة التي لا تحدها حدود.. وقد أوردت مقالته سالفة الذكر أسماءهم، وهم الشقيقان «ديفيد وتشارلس كوش» وهما من أغنى أغنياء أميركا بحيث لا يسبقهما في هذا الترتيب سوى عبقري شبكة النت الإلكترونية «بيل غيتس» ورجل الأعمال الأشهر «وارين بوفت».
أما ثالث ممولي المعارضة اليمينية فهو روبرت ميردوخ، الاسم المرتبط دوماً بإمبراطورية الصحافة والإعلام المطبوع والمتلفز على السواء.ورغم أن اسمه هو الثالث في قائمة الدراسة التي ألمحنا إليها، وهو ترتيب في تصنيف الثراء المالي.. إلا أننا نعده الأهم في هذا الثلاثي الذي يتولى تمويل «حفلات الشاي»، المعارضة السياسية اليمينية التي تتربص شراً في كل لحظة بهذا الرئيس الملون الذي دفعت به عملية تداول السلطة ديمقراطياً إلى المكتب رقم واحد في البيت الأبيض.
إن ميردوخ يستمد قوته أساساً من إمبراطورية الإعلام وتشكيل الرأي العام.. التي يسيطر عليها.. ومن ثم من واقع ما هو متاح له ولأعوانه من إمكانات التلاعب والاستدراج والتغرير باتجاهات هذا الرأي العام سواء من خلال أسلوب التعتيم الإعلامي أو أسلوب التضليل الإعلامي.. يستويان.
الأيدي الخفية
هنا يستعيد الكاتب الأميركي المصطلح الذي صكّته كاتبة أميركية أيضاً هي «كيم فيليبس» في كتابها الصادر عام 2009 الماضي ويحمل العنوان التالي: الأيدي الخفية.هي أيدي أصحاب الثروات الطائلة ؟ الفاحشة أحياناً ؟ الذين يأبون إلا أن يتصدوا لأي محاولات للإصلاح أو للاستقرار أو لإقامة العدل.. لصالح جموع المواطنين.. وهم بهذا لا يتورعون عن تمويل كل الحملات والتهجمات والانتقادات التي توجَّه بالذات إلى رؤوس السلطة الحاكمة وبهدف إسقاط رئيس الدولة بالذات، إذا ما رأوا أن إصلاحاته وأطروحاته يمكن أن تنال مما ينعمون به من سطوة وثروات وإمكانات ونفوذ.
هنا يأتي الماضي لكي يغير الحاضر.
وبمعنى دروس الماضي، سواء كانت إيجابية ونستوحي من نجاحها.. أو كانت سلبية ونستقي العبرة من فهمها واستيعابها.
هنا أيضاً يستعيد المحلل السياسي في أميركا وفي غيرها.. دروس حقبة الثلاثينات من القرن العشرين.
هي الحقبة التي مازالت ماثلة في الذاكرة الجماعية المعاصرة تحت الشعار التالي: الصفقة الجديدة (نيو ديل).
بمعنى أجندة إصلاح الاقتصاد الذي أصيب في تلك الفترة الباكرة من القرن الماضي بآفة حملت بدورها اسمها الشهير: الكساد العظيم: بمعنى الفادح والخطير.
هكذا يرى محللو الاقتصاد والسياسة أن ثمة تشابها، أو فلنقل توازياً، تبدّت ملامحه مؤخراً بين «حالة» أوباما الراهنة إزاء أزمة الاقتصاد والسياسة في أميركا، وبين حالة سبقتها بنحو 80 عاماً هي «حالة: الرئيس الأميركي الأسبق فرانكلين ديلانو روزفلت».
كلاهما جاء بعد رئيس فاشل اقتصادياً: هما جورج دبليو بوش في حالة أوباما وهربرت هوفر في حالة روزفلت. وكلاهما باراك وفرانكلين ينتمي إلى الحزب الديمقراطي.. وبالتالي استثار ويستثير معارضة في غاية اللدد من حيث الخصومة من جانب الحزب الجمهوري.
ومن عجب أن لدى كل من الرئيسين ؟ الأسبق روزفلت والحالي أوباما - مشكلة ملازمة له طيلة حياته، حيث كان روزفلت مصاباً بشلل الأطفال ويتحرك على كرسي طبي في حين أن أوباما مازال يتعرض لانتقادات معارضيه بسبب لونه الداكن وأصله الإفريقي وجذوره من ناحية الأب التي تنتهي بداهة إلى عقيدة الإسلام.
دي بونت و«حفلة الشاي»
ومن عجب أيضاً أن كان رأس من عارضوا الرئيس.. فعاليات قوية كانت تتحكم في قطاعات شتى من الاقتصاد الأميركي.
زمان، كانت قوى أصحاب ملايين الثلاثينات ويوازيها في زماننا الراهن أصحاب بلايين العقد الثاني من الألفية الثالثة.. والأكيد أنهم كانوا يفضلون عدم الظهور في مقدمة مسرح المعارضة بقدر ما كانت أموالهم وتربيطاتهم وشبكات علاقاتهم تتيح لهم بامتياز أن يمارسوا ما شاؤوا من نفوذ، وأن يمسكوا ما يروق لهم من خيوط ولكن من خلف الستار وبين طيات الكواليس.
هكذا ظل يصدق عليهم وصف «الأيدي الخفية» وكانت تتمثل بالذات ـ كما تقول المؤرخة «كيم فيليبس» في حالة «دو بونت» من بارونات الصناعة الكيماوية التي استطاعت أن تؤسس ما عرف في تاريخ أميركا المعاصر باسم «عصبة الحرية الأميركية» عام 1934 وكان كل همّها هو العمل على إسقاط الرئيس الديمقراطي فرانكلين روزفلت. أما النظير الحالي فهو بداهة حركة «حفلة الشاي» التي يستعيدون بها تاريخ التظاهرات التي كانت تقوم ضد استعمار إنجلترا لأميركا منذ أواخر القرن 18 وكان أشهرها حركة إلقاء صناديق الشاي المستوردة إلى أميركا في مياه ميناء بوسطن.. لكنهم الآن يتظاهرون، لا ضد محتل أجنبي سعياً لاستقلال أميركا، ولكن من أجل إسقاط رئيس مجتهد شاب يرون أنه احتل في غفلة من الزمن منصب القيادة العليا في المكتب البيضاوي بالبيت الأبيض.
روزفلت وأوباما
ثم تتواصل خطوط التوازي عبر الأعوام الثمانين التي أشرنا إليها بين روزفلت وأوباما، لقد نجح روزفلت في الخروج ببلاده من أزمة الكساد الفادح عندما أعلن سياسة «الصفقة الجديدة» التي قصدت بالذات إلى تشغيل العاطلين وكانوا بالملايين.. ومن هنا دخلت الدولة بكل ثقلها وبكل دوائرها ومرافقها بوصفها صاحب الدور الأول في استعادة دوران عجلة الاقتصاد.
نفس ما جاءت به أنباء الأيام الأولى من سبتمبر الحالي.. وفي مقدمتها ما أعلنه أوباما في أحدث خطاب رسمي له من أن الدولة ستدخل إلى مضمار المشروعات العامة وتبدأ في ضخ حزمة تحفيز جديدة تبدأ بمبلغ 50 مليار دولار ويجري استثمارها على مدار السنوات الست السابقة (هنا تلميح مشوب بالتعلل بأمنيات الطموح إلى الولاية الرئاسية الثانية).
وتزداد وشيجة التقارب بين رؤية روزفلت ورؤية أوباما من حيث تركيز الرئيسين على قطاع محوري بعينه هو قطاع النقل، بكل ما يشمله هذا القطاع من هياكل أساسية ومرافق حيوية وشبكات للحركة والاتصال على اختلاف وسائط وأساليب النقل الداخلي: ما بين شبكات الطرق البرية إلى ساحات المطارات إلى مرافق وخطوط السكة الحديدية.
مشروع أوباما
وفيما ركزت الصفقة الجديدة في زمن روزفلت على تحسين الطرق المتردية وإنشاء سلسلة من السدود المائية العملاقة وكلها كانت مشروعات تولتها الحكومة تمويلًا وإدارة وإشرافاً.. ونجحت في تشغيل ملايين العاطلين الذين تقاضوا أجوراً وأنفقوا أموالًا في أسواق الاستهلاك وفي تلبية الاحتياجات، وكان أن تلقاها التجار والصناع فتمكنوا من خلالها من دفع الضرائب التي ما لبثت أن صبّت في خزائن الحكومة التي عاودت دورة تفعيل الاقتصاد من جديد، فإن إدارة أوباما الحالية، وقد وعت درس البطالة المستقى من تلك الأيام البعيدة، وخاصة وقد بلغت معدلات البطالة الراهنة أرقاماً تدعو إلى القلق العميق ؟ فقد وضعت مشروعها الجديد طامحة في قطاع النقل إلى تحقيق ما يلي:
* إعادة بناء 150 ألف ميل من الطرق البرية + صيانة وتجديد 4000 ميل من خطوط السكك الحديدية وإعادة إصلاح أو تأهيل 150 ميلاً من مدارج ومهابط المطارات بهدف مزدوج يتمثل في خفض الوقت المستغرق في السفر الجوي وتقليل حالات تأخير الإقلاع أو الهبوط للطائرات. مرة أخرى، الهدف الجوهري هو إنشاء مشروعات كثيفة الاستخدام للأيادي والطاقات العاملة.. وهو أمر كفيل في رأي أوباما ومستشاريه بإيجاد المزيد من فرص العمل التي يمكن أن تستوعب تلك الأعداد المتزايدة من القوى البشرية، التي لا تجد عملًا من جهة وتفتقر إلى قدرات الإنفاق من جهة ثانية، فيما يمكن أن تصبح ساحة خصبة لكل ما هو معادٍ للإدارة الحالية من انتقادات حفلات الشاي أو صخب اليمين الذي تموله، كما أسلفنا، إمكانات مالية بغير حدود.
وبحكم الدور الفاعل لأميركا واقتصادها في عالم اليوم.. بدأ اهتمام المحللين ينصّب على هذه الخطوة التي نرى فيها من جانبنا.. طرحاً لشعار الصفقة الجديدة (نيو ديل) الذي شهده عقد الثلاثينات من قرن مضى وحقق نجاحاً ملموساً بكل مقياس. وبمعنى آخر.. نرى أن الماضي مازال بدروسه ماثلًا، بل ومؤثراً بالتأكيد في رؤية الحاضر وقدرة التعامل مع ما يكتنف الواقع من مشكلات وأزمات.
محمد الخولي

