رغم المشاهد الإعلامية ـ الدرامية كما قد نسميها ـ التي تابعها العالم من إطلاق مفاوضات مباشرة فلسطينية ـ إسرائيلية في واشنطن وبترتيب أميركي، فإن بديهيات السياسة تؤكد أن أي دولة تريد أن تلعب دوراً فاعلاً ومؤثراً في السياسة العالمية لابد وأن تصدُر أساساً عن أوضاع اقتصادية وطيدة بل ومزدهرة.

من هنا كان حرص الإدارة الأميركية الحالية على معاودة النظر في مجالات الإصلاح الاقتصادي ومحاولة التماس سبل جديدة لمجابهة أزمة البطالة التي بلغت حدوداً تنذر بالخطر، سواء من حيث الكساد المالي وتدهور مستويات المعيشة أو خضوع الذين يعانون البطالة لدعايات اليمين الجمهوري الأميركي، التي تضمر العداء لرئيس ملون وله جذور إفريقية وإسلامية أيضاً.

وهو ما أصبح يتبدى في ما يوصف بأنه «حفلات الشاي» وهي المظاهرات والاحتجاجات العدائية الموجهة إلى الرئيس أوباما، الذي لابد وأنه استلهم دروساً مستفادة في الإصلاح الاقتصادي من تجربة سَلَفه الديمقراطي «روزفلت» الذي أعلن عن سياسة «الصفقة الجديدة» (نيو ديل) في عقد الثلاثينات من القرن الماضي مركَّزاً ـ كما يرنو أوباما أيضاً ـ على قطاع ومرافق النقل وهياكله الأساسية ما بين شبكات الطرق البرية أو مرافق السكة الحديد أو إصلاح مدارج ومهابط المطارات من هنا اعتمدت إدارة أوباما 50 مليار دولار يتم إنفاقها من أجل معاودة تحفيز الاقتصاد على مدار السنوات الست المقبلة.

والواقع أن الأزمة المالية العالمية المتفاقمة في الولايات المتحدة ودول أخرى كثيرة بدأ تأثيرها ينعكس على موازين القوى السياسية والاستراتيجية في العالم، بحيث بات تأثير الدول الكبرى مثل الولايات المتحدة وبريطانيا وغيرهما يختلف عما كان عليه قبل الأزمة، وأصبحت الكثير من الدول لا تعير اهتماماً كبيراً للنفوذ الاقتصادي الأميركي الذي بات مشكوكاً في وجوده من أساسه.

خاصة في أوروبا التي ذهبت تبحث عن حلول لأزماتها بعيداً عن واشنطن التي لم تبدي أي حماس لمشاركة الأوروبيين في وضع حلول لمواجهة الأزمة المالية العالمية، وما سبق أن قرره القادة المجتمعون في القمم العالمية، مثل قمتي الثمانية الكبار والعشرين، لم يدخل منه حيز التنفيذ أي قرار، وكلها ذهبت أدراج الرياح، خاصة بعد تفاقم الأزمة في اليونان، وبعد أن بات واضحاً أن واشنطن ليس لديها أي استعداد ولا حتى إمكانيات لمساعدة أي دولة أخرى معرضة للإفلاس، وقد انعكس هذا الوضع بدوره على التأثير السياسي في قضايا كثيرة، منها قضية الملف النووي الإيراني.

والنزاع الصيني التايواني، والنووي الكوري الشمالي، وأيضاً النزاع في الشرق الأوسط، والذي ظهرت فيه قوى جديدة لم يكن لها تأثير من قبل، مثل إيران وتركيا وروسيا.. وغيرها، الأمر الذي انعكس بوضوح على المباحثات الإسرائيلية الفلسطينية في واشنطن التي لم تأت بأية نتائج إيجابية، رغم الدعاية والترويج الكبير الذي استبقت به الإدارة الأميركية هذه المباحثات، حيث بدا أن الرئيس أوباما كان يسعى لتحقيق نتائج كبيرة من ورائها تساعده في الحملات الانتخابية النيابية المقبلة في الولايات المتحدة، وتدعم شعبيته التي تراجعت كثيراً في الفترة الماضية بسبب حملات خصومه الجمهوريين الشرسة، ولكن للأسف لم تأت الرياح من جهة هذه المفاوضات بما كان يتمنى أوباما.