مشاركة الملك عبدالله الثاني، ملك الأردن، في قمة واشنطن، إلى جانب الرئيس حسني مبارك وزعماء الولايات المتحدة، إسرائيل والفلسطينيين، بدت مفهومة من تلقاء ذاتها: الأردن، مثل مصر أيضا، سبق أن وقعا على معاهدتي سلام مع إسرائيل، وهما يأملان في أن تنضم إليهما جهات أخرى في العالم العربي، ولاسيما الفلسطينيون. غير أن العلاقات بين الأردن والفلسطينيين مركبة جدا، وشهدت مواضع صعود وهبوط، وذروة التوتر بينهما كانت الصراع في ما سمي بـ «أيلول الأسود» عام 1970 .

منظمة التحرير

معظم اللاجئين الفلسطينيين وجدوا أنفسهم تحت حكم الأردن في 1948. فقد هربوا إلى الضفة الغربية بل ووصل بعضهم إلى الضفة الشرقية. الملك عبدالله، الذي ضمّ الضفة الغربية للأردن وأراد أن يضمن تواصل حكمه فيها، منح الجنسية الأردنية لكل الفلسطينيين، وكان هدفه استيعابهم في مملكته. لم يمنح أي زعيم عربي آخر الجنسية للاجئين.

عندما أقامت بعض الدول العربية، وعلى رأسها جمال عبد الناصر، منظمة التحرير الفلسطينية، عقب على ذلك الملك حسين بتحفظ شديد.خشية منه أن تكون محاولة فلسطينية لقطع الضفة الغربية عن الشرقية. وفقط بعد أن تلقى الشروحات والوعود من العالم العربي، أعطى موافقته على إقامة المنظمة في شرق القدس في 1964.

ولكن م.ت.ف انشغلت بدولة فلسطينية من البحر إلى النهر. بحيث أن المواجهة مع الأردن كانت محتمة. وشخصت م.ت.ف ضعف النظام، فأقامت جيشا خاصا بها (نحو 15 ألف رجل)، وأقام جهازا قضائيا خاصا به وتحدى السيادة الهاشمية. الأردن جعلته المنظمة قاعدة للإرهاب ضد إسرائيل، مما فرض المواجهة، وكانت الذروة في عملية الكرامة في آذار 1968، ضد قاعدة م.ت.ف في الأردن، والتي خرج منها عرفات على قيد الحياة، وصعدت م.ت.ف استفزازاتها حيال الحسين وحكومته.

مبادرة روجرز

الملك حسين فهم بان الصراع مع م.ت.ف هو على مجرد وجود المملكة الهاشمية ولكنه حاول الوصول إلى تفاهم. مفاوضات طويلة مع قادة المنظمة الفلسطينية انتهت في تشرين الثاني، باتفاق تتخلى فيه م.ت.ف عن الحكم الذاتي الذي أخذته لنفسها في الأراضي الأردنية.

غير أن شيئا لم يحصل. في أثناء 1969 تدهور الوضع، وفي بداية 1970 اقترب الحسين من اليأس. سافر إلى الولايات المتحدة وطلب المساعدة ضد محاولة السيطرة الفلسطينية على بلاده. فحص إمكانية الوصول إلى اتفاق مع إسرائيل، ولكن لم يكن بوسعه أن يقبل المطالب الإسرائيلية. سافر إلى مصر، التقى بناصر وحاول إقناعه بان سيطرة م.ت.ف على الأردن لن تخدمه.

ناصر لم يقتنع. في شباط 1970 نشر الحسين أمرا يحظر على المنظمة القيام بنشاطات سياسية في الأردن. أما هذا فببساطة لم يؤثر على م.ت.ف . ولكن في الصيف وقع شيء خلق قاسما مشتركا بين مصر والأردن: كلاهما وافقا على مبادرة وزير الخارجية الأميركية، وليم روجرز، لوقف النار مع إسرائيل، م.ت.ف قررت إسقاط الحسين. في 1 أيلول، قاموا بمحاولة اغتيال فاشلة له. بعد خمسة أيام من ذلك أنزلوا في مطار الزرقاء ثلاث طائرات غربية واخذوا مسافريها كرهائن، لإحراج الحسين. كما أنهم «حرروا» منطقة اربد.

رحيل ناصر

الملك حسين فهم بأن السبيل الوحيد من ناحيته هو الحرب ضد م.ت.ف . في 16 أيلول عين حكومة جنرالات، وشرع في صراع عديم الرحمة اصطدم بمقاومة عنيدة، م.ت.ف طلبت المساعدة من سوريا التي دفعت بمئات الدبابات إلى داخل الأردن. هنا دخلت إسرائيل في الصورة. طائرات إسرائيلية حامت فوق قافلة الدبابات للإشارة بان في وسعنا أن ندمرها. السوريون فهموا الرسالة وبعد ثلاثة أيام من التضامن مع م.ت.ف عادت الدبابات إلى قواعدها.

ي 27 أيلول 1970 عقد في القاهرة احتفال للتوقيع على اتفاق بين الحسين وم.ت.ف شعر فيه الملك بالإهانة، رغم انتصاره. ناصر سعى إلى منح عرفات الإحساس بأنه لم يهزم. وفي الغداة توفي الرئيس المصري على نحو مفاجئ، وفقدت م.ت.ف سندها الرئيسي. الحسين كان بوسعه أن يتنفس الصعداء. ولكن في 1974 اضطر الملك إلى أن يبتلع قرار الجامعة العربية الاعتراف بـ م.ت.ف كممثل وحيد للشعب الفلسطيني.

الحسين وأوسلو

الملك حسين كان فيه عداء شديد لـ م.ت.ف ولكن برغماتية لا حصر لها جلبته إلى أن يستضيف في تشرين الثاني 1984 المجلس الوطني الفلسطيني، ويجري مفاوضات مع عرفات على مدى سنة، على إقامة اتحاد فيدرالي أردني ? فلسطيني المفاوضات التي لم تنجح.

عندما فشلت محاولتنا الوصول إلى مؤتمر دولي يؤدي الى حل أردني فلسطيني بسبب معارضة اليمين، اعلن الحسين نهائيا عن فك ارتباطه بالضفة الغربية. في تموز 1988 أعلن بان ليس لديه مطالب هناك وأنه يؤيد انتقالها إلى سيادة فلسطينية، وفي تشرين الثاني، اتخذ المجلس الوطني الفلسطيني القرار بإقامة دولة.

الحسين لم يحب اتفاق أوسلو، ولكنه استخدمه كي يفعل ما أراد فعله منذ زمن بعيد الوصول إلى اتفاق سلام مع إسرائيل. بعد يوم من توقيع اتفاق المبادئ في البيت الأبيض، وقع اتفاق المبادئ بين إسرائيل والمملكة الهاشمية وبعد سنة من ذلك وقع اتفاق السلام. منذئذ شارك الحسين في المسيرة السياسية بيننا وبين الفلسطينيين، وابنه عبدالله سار في طريقه.

إسرائيل اليوم - يوسي بيلين