التصريحات الحالية لافيغدور ليبرمان تعبر عن نهج واع وواقعي، في ظل الفهم بأن السلام لن يتحقق «بأي ثمن». وإذا كان الاستنتاج البسيط ? والمسنود بالتجربة الثرية القاسية للـ 17 سنة الأخيرة ? هو انه لا توجد إمكانية للوصول إلى سلام دائم في جيلنا، فلا مفر إذن من تأجيل حل النزاع على الجيل التالي، والاكتفاء في هذه الأثناء بإدارة النزاع أو بتسوية انتقالية بعيدة المدى.

لعبة أدوار

حبذا لو أنه في حينه، في اتفاق أوسلو الأول، كان هناك أحد ما واع في وزارة الخارجية أو على طاولة الحكومة، حيال حفلة «المصالحة التاريخية»، «نهاية النزاع»، «السلام للأجيال»، وباقي ترهات الدعاية التي منعتنا من أن نرى على نحو سليم المصاعب المعقدة والعميقة التي في المفاوضات بيننا وبين الفلسطينيين.

في قسم لم يقتبس في وسائل الإعلام قال ليبرمان إن المهم ليس فقط الهروب وإخلاء المنطقة، بل مهم أن نفهم ماذا سيحصل في اليوم التالي. وقيل بأن ليبرمان اقترح إجراء لعبة أدوار بمشاركة جهات مختلفة في الدولة، لنفهم ماذا سيحصل في اليوم التالي للانسحاب إذا ما عادت إسرائيل إلى حدود 67. الاستنتاج الهام لليبرمان: «شيء لن يتغير؛ النزاع لن يختفي؛ بالعكس، سيتصاعد فقط ويتعزز وفي غداة اليوم الذي سنحصل فيه على المزيد سنواجه بالمزيد من المطالب والضغوط ? باختلاف أن هذه المرة ستكون المطالب حول النقب، الجليل، والمطالبات بالحكم الذاتي، ولا احد يخفي ذلك. كما أن الطرف الأخر لا يخفي ذلك، الفارق الهام هو انه بدلا من أن يتركز النزاع في يهودا والسامرة فانه سينتقل إلى داخل 67. وصواريخ القسام التي رأيناها مرة من غزة، سنراها أيضا من قلقيلية وجنين».

عدم التنازل

أو ليست هذه أقوال ذات مغزى؟ أولم نتعلم من التجربة؟ أولم يقتل ما يكفي من اليهود كي يعلموننا الحكمة؟ يجدر بنا أن نشدد على أن لا توجد هنا سياسة عدم التنازل عن شبر واحد، بل نظرة واعية للواقع الذي استوعبه نتانياهو أيضا ? إلى جانب أقواله في صالح الحل الوسط التاريخي ? فإنه واع لها بذات القدر.

وها كم المزيد من الأقوال ذات المغزى لليبرمان، والتي تمثل الكثيرين في المجتمع الإسرائيلي ممن نفروا حتى الآن من الإكراه الفكري الجماعي. الكثيرون يرفضون الوقوف بامتثال كلما ذكرت عبارة «محادثات السلام»، وكأن بها ضمانة للأمن وأملا حقيقيا: «ما ينبغي فهمه هو أننا نتحدث عن مسائل هي عقلانية أكثر مما هي عاطفية. عندما نتحدث عن القدس، حق العودة، الاستيطان اليهودي في المناطق ? فهذا قبل كل شيء عاطفة، ومن الصعب جدا حل المسائل العاطفية في مفاوضات قصيرة، عادية، تكون أحيانا أيضا مرتبطة بكل أنواع السياقات السياسية داخل دولة إسرائيل».

فهل لدى أحد ما أن يقول شيئا ذا قيمة ضد هذا النهج؟ أولم نشهد ذلك على أجسادنا في العقدين الأخيرين، وعمليا في المائة عام الماضية؟

الأمل والأوهام

هناك مسألة عقلانية معناها التعاطي مع النزاع بيننا وبين الفلسطينيين كنزاع إقليمي، وبالتالي، يمكن الوصول إلى حل وسط: «اثنان يمسكان خرقة ? هذا يقول كلها لي وذاك يقول كلها لي ? فليتقاسماها». أما المسألة العاطفية فمعناها تحويل الموقف من النزاع كصراع وجود للحياة والموت، إلى صدام حضاري، نظرة إلى الإسرائيليين والفلسطينيين كممثلين لجبهات أوسع، الغرب (العالم اليهودي ? المسيحي) في مواجهة العرب والإسلام وما شابه ذلك.

ليبرمان ليس وحيدا. قسم كبير من حكومة إسرائيل يفكر هكذا، وعلى ما يبدو أيضا أولئك الذين يهزون برؤوسهم على أنغام السلام يعرفون جيدا هذه التقديرات الواقعية. من تجربتنا تعلمنا بأن كل وهم سياسي نهايته أن يتفجر بضجيج كبير في جولة دموية أخرى. الأمل نعم ? ولكن لا للأوهام.

إسرائيل اليوم - درور أيدار