ليست ميسون الدملوجي من سياسية اعتيادية، كونها، إضافة إلى انشغالها بالقضايا العراقية العامة، وقضايا المرأة بشكل خاص، صحافية، وفنانة تشكيلية، ومهندسة معمارية، ومن هواة الأدب بكل أشكاله.. ومع ذلك انشغلت بالسياسة في وقت مبكر. تقول ميسون، في حوار مع «البيان» في بغداد، عن نشاطها السياسي: إن السياسة ليست رغبة أو قراراً يتخذه الشخص، بل هي إدراك تلقائي ناتج عن شعور الإنسان بمجتمعه، والحاجة إلى تغييره وتحسينه، ما يدفع المرء إلى البحث عن السبل الممكنة، وحتى غير الممكنة، لتحقيق ذلك.

ميسون الدملوجي، من بيئة أرستقراطية، ألم يكن الأجدر بك أن تكوني «امرأة مجتمع» بدلاً من أن تكوني «امرأة سياسة»، وخاصة في مثل ظروف العراق المعقدة والصعبة؟

في الحقيقة، ليس هناك ما يمنع «امرأة المجتمع» كما تسمونها، من أن تكون سياسية، بل أرى أن المجتمع أساس السياسة، التي هي أداة التغيير، أما إذا كنتم تقصدون «الانغلاق النسوي»، فأنا أرفض ذلك كلياً، لأنه معاكس تماماً لطموح المرأة في تحقيق مستقبل أفضل، ومجتمع أفضل، وكما قلت.. إن السياسة ليست قراراً، بل شعور حقيقي، وتفاعل، وطموح.

هذا صحيح، ولكن السياسة في العراق، وخاصة الآن، غير ذاك.. كيف تقيّمين الواقع السياسي العراقي؟

نحن الآن في مرحلة أفضل نسبياً عما كان عليه الحال في 2003، عندما ظهرت عشرات، بل مئات الأحزاب والتنظيمات، بحيث بدت «العملية السياسية»، أقرب إلى كونها «عملية تجارية»، والمسألة لا تحتاج إلى تفكير عميق.. من أين تأتي هذه الأحزاب والتنظيمات بالتمويل لفتح المقار والإنفاق عليها؟ إضافة إلى إصدار صحف تخسر عشرات الآلاف من الدولارات شهرياً، بل تعدى الأمر ذلك إلى إنشاء محطات إذاعية وقنوات تلفزيونية، إضافة إلى دفع رواتب للمنتسبين!! والمعروف في معظم دول العالم أن تمويل الأحزاب يأتي من اشتراكات الأعضاء، وتبرعات المؤيدين، فيما انقلب الوضع عندنا إلى دفع اشتراكات للأعضاء، وتقديم «تبرعات» للمؤيدين.

إلا أن هذه المسألة لا يمكن تعميمها، لأن هناك تنظيمات، وان كانت قليلة جداً، تتوفر لديها الإمكانيات المادية.

هل يعني هذا أن السياسة، والأحزاب السياسية، يديرها الأغنياء فقط، أو الذين يتمتعون بدعم من جهات غير معروفة؟

ليس بالضرورة، فقد يكون هناك دعم لبرنامج معيّن، ولكن الحديث كان عن مئات الأحزاب والتنظيمات المستحدثة، ومعظم قياداتها وأعضائها لا يعرفون حتى أسماء العواصم العربية، بل لا يعرفون من هو الجواهري أو جواد سليم أو كامل الجادرجي!!

أما بالنسبة للأحزاب التي يقودها «برجوازيون»، فلنكن صريحين في ذلك.. كل الأحزاب التي تقول إنها «عمالية» أو «جماهيرية»، وفي كل أنحاء العالم، يقودها «برجوازيون»، حتى أن بعضها تنشئ شركات ودور نشر، وما إلى ذلك لدعم تمويلها، إضافة إلى الاشتراكات وجمع التبرعات.

روح الأسرة

باعتبارك ناطقة باسم ائتلاف العراقية.. هل هناك من يملي عليك، أو يطلب منك التصريح أو إصدار بيان، في المواضيع والأحداث السياسية، أم يكون ذلك باجتهادك شخصياً؟

يمكن أن أقول إننا في «العراقية» نتعامل بروحية الأسرة، وتدور بيننا نقاشات يومية، وفي كل وقت، وفي ضوء المستجدات نقرر إصدار بيان أو تصريح، وأهم الفقرات التي يتضمنها، ولكن هذا لا يمنع الاجتهاد الخاص والمبادرة عندما تكون هناك قضية آنية، خاصة مع الإلمام التام بتوجهات الائتلاف، وخطوطه وخطواته العامة والتفصيلية.

هل أخطأت في إصدار تصريح أو بيان، في قضية ما؟

الخطأ قد يحدث في بعض التفاصيل الجزئية، ونحن نناقش ونعالج ذلك فيما بيننا.

أنت أول امرأة تشغل موقع الناطقة الرسمية باسم كتلة سياسية كبيرة؟

نعم.. واستغرب لبعض وسائل الإعلام التي تطلق علي تسمية «الناطق الرسمي»، وكأن المرأة لا يحق لها أن تكون «ناطقة»، بل تبقى «صامتة»، ولست أدري من أين أتوا لغوياً بتحريم كلمة «الناطقة»، وهذا الأمر عانيت منه كثيراً عندما كنت «وكيلة وزارة الثقافة» وتطلق علي تسمية «وكيل»!

كنت قد رشحت لرئاسة مجلس النواب، عند استقالة رئيسه السابق محمود المشهداني، لماذا انسحبت؟ وهل كنت سترضين لو حصلت على المنصب بتسميتك «رئيس» المجلس؟

أنا رشحت أساساً من باب التحدي، لأنني كنت أعرف التقسيم الطائفي والعرقي للمناصب، وان المنصب خصص لـ «العرب السنة»، وان جبهة التوافق كانت تحتكر تمثيل هذه الطائفة، ولو كنت فزت بالمنصب، لكنت بالطبع أرفض أن يناديني أحد بـ «السيد الرئيس». وكانت الدملوجي قد ذكرت في طلبها الترشيح لرئاسة البرلمان: «تأكيداً لوثيقة الإصلاح السياسي التي أقرها مجلس النواب الموقر، وضرورة تعزيز المبادئ والقيم الديمقراطية في العراق، وفتح صفحة جديدة من العلاقات السياسية، مبنية على أساس المواطنة والقانون، بعيداً عن أي شكل من أشكال التمييز، ومنها الانتماءات الحزبية الضيقة، وتأكيداً لأهمية دور المرأة في عملية بناء السلام والديمقراطية في عراقنا الحبيب، أود إبلاغكم بترشيح نفسي لمنصب رئاسة مجلس النواب العراقي، راجية أن تتخذ الإجراءات اللازمة لذلك».

الحكم للأغلبية

ما هي قراءتك للمشهد السياسي الآن؟

قبل أن اقرأ، أود الإشارة إلى أن هناك من يتحدث عن أكثرية طائفية أو عرقية، وان «الأغلبية»، المجتمعية وليس السياسية، هي التي يجب أن تحكم، ويبقى منصب رئاسة الحكومة حكراً لها إلى أبد الآبدين، ولكن.. حتى وفق هذا المنظور، الذي لا يمتّ إلى روح العصر بصلة، أقول إن رئاسة الحكومة يفترض أن تكون من حصة المرأة، لأن حجمها السكاني يزيد على النصف، وهي تمثل الأغلبية المطلقة، إضافة إلى كونها تمثل جميع الطوائف والقوميات والمحافظات.

لقد أردنا في القائمة العراقية أن نعبر الحاجز الطائفي، ونجحنا، حيث فاز في قائمتنا مرشحون من كل الطوائف والقوميات، لأننا حقاً ضد أية توجهات طائفية أو عرقية.

ومع ذلك، يجب ألا ننكر محاولات الكتل الأخرى تبني التوجه نفسه، لكنها لم تنجح، أي أنها رفعت الشعارات «العابرة للطائفية»، فضمت قائمتا دولة القانون والائتلاف الوطني كتلاً وأحزاباً وشخصيات من طائفة أخرى، ولم يفز أي شخص من هؤلاء في الانتخابات، وبقي ائتلافا دولة القانون والوطني يمثلان شكلاً طائفياً واحداً، ما شكّل انتكاسة لهما، لأنهما لم يستطيعا كسب ناخبين من فئات أخرى. وعندما فازت القائمة العراقية، ألغى الائتلافان الشعارات «العابرة للطائفية»، وعادا إلى ترديد نغمة الأكثرية المجتمعية.

ولكن الائتلافين شكّلا «التحالف الوطني»، الذي يتكون من 159 نائباً، وحققا أغلبية في مجلس النواب الجديد؟

يفترض ألا يتصرف «السياسيون» بهذا الشكل.. فالمنطق يقول إن القائمة الفائزة بالأكثرية تكلف بتشكيل الحكومة، وإلا لماذا استقتل ائتلاف دولة القانون في المطالبة بإعادة فرز الأصوات يدوياً، إذا كان بمكانه تشكيل أكثرية بالتحالف مع كتلة أخرى؟ ولماذا لم يكن هذا التحالف قبل الانتخابات، ثم.. أين هو الآن، ومن رئيسه؟ ومن مرشحه لرئاسة الحكومة؟ وتساؤلات كثيرة أخرى.

وحسب القانون أن الكتلة التي تكلف بتشكيل الحكومة تمنح مهلة شهر، فان لم تنجح، تكلف الكتلة التي تليها، وهكذا.. فإذا كان هذا التحالف «الوهمي» يمثل الأكثرية البرلمانية، لماذا لم ينجح في التأسيس لحكومة، بعد أشهر عدة من الإعلان عنه إعلامياً؟ بل لم يتفق على شيء من الأوليات، حيث لا يزال يدور حول البرنامج السياسي، الذي يفترض انه قد وضع قبل الانتخابات، ومثل هذا الأمر غير موجود في أي من دول العالم.. وبالتالي فان جميع العراقيين يعرفون بان هذا «التحالف» غير موجود، وان أطرافه تتباحث مع الكتل الأخرى، كلاً على حدة.

تشكو المرأة من التهميش، في العملية السياسية، وفي التحرك البرلماني.. ما قولك في ذلك؟

هذا صحيح إلى حد بعيد، إذ لم نجد للمرأة مكاناً في قيادات الكتل السياسية والبرلمانية، إلا ما ندر، رغم أنها، كما قلت سابقاً، تمثل أكثر من نصف المجتمع، ما يؤشر وجود خلل في الحياة السياسية، وهذا الخلل نلمسه بشكل اكبر وأوضح عندما نعرف أن الرجل مهمّش أيضاً، وان إدارة العملية السياسية هي بيد رؤساء الكتل، أما البقية فهم رهن الانتظار، وخير مثال على ذلك، أن أكثر من ثلث النواب في البرلمان الجديد، موجودون في الخارج «للاستجمام»، في انتظار انفراج الأزمة السياسية، وكذلك كان الأمر في البرلمان السابق، إذ هناك نواب لم يظهر لهم أي صوت في المناقشات، وكل واجبهم هو رفع اليد بالموافقة أو عدم رفعها.

ما هي طموحات ميسون الدملوجي، الخاصة، فيما يتعلق بالعملية السياسية؟

قبل كل شيء.. السعي لتعديل الدستور، بما نصت عليه المادة 142 منه، وإيجاد السبل الناجعة لحل الخلافات حول المواد الدستورية العالقة، والالتزام بالديمقراطية الحقيقية، وبوثيقة الإصلاح السياسي التي أقرها مجلس النواب، وإشاعة روح الاحترام المتبادل، وتقوية العلاقات مع وسائل الإعلام المختلفة، وفسح المجال أمام السلطة الرابعة لأداء دورها كما نص عليه الدستور العراقي.. وعندما أقول «الديمقراطية الحقيقية»، لأن ما نلمسه الآن هو اجتزاء للمفاهيم الديمقراطية، ومن ذلك قمع الحريات في مجالات عديدة، بحجة «إرادة الأكثرية»، وكأن بقية المواطنين من الدرجة الثانية أو العاشرة، وفي هذا الصدد يمكن القول «لا ديمقراطية بدون حرية»، وان الأكثرية مهما كثرت، لا يحق لها فرض نمطها الخاص، بما يسلب حقوق الآخرين.

بصفتك رئيسة للتجمع النسائي العراقي المستقل، ما الذي قدمته، أو قدمه هذا التجمع للمرأة العراقية؟

يمكن القول ان نشاطاتنا لا تعد، ولا تحصى.. نحن نسعى إلى تأكيد أهمية دور المرأة في المجتمع، وفي الحياة السياسية والعامة، عبر الندوات والتجمعات واللقاءات مع المسؤولين، وكذلك إيصال صوت المرأة، من خلال مجلة «نون»، التي يصدرها التجمع، وأرأس تحريرها، كما نركز جهودنا للحيلولة دون تشويه قانون الأحوال الشخصية، وإبعاد المادة الدستورية 41، الخاصة بالأحوال الشخصية عن الفرقة والتقسيمات المذهبية، حيث تم طرح بدائل أكثرها لا يحقق طموح المواطن العراقي في مجتمع متجانس يتساوى فيه الجميع أمام القانون.

حوار ـ عراق أحمد