ضعفت الولايات المتحدة بشدة، بسبب الحرب في كل من أفغانستان والعراق وما أدت إليه هاتان الحربان من تراجع اهتمام واشنطن الاستراتيجي بمنطقة شرق آسيا. غير أن واشنطن أظهرت تجدد اهتمامها بالمنطقة، وخاصة شمال شرق وجنوب شرق آسيا، عبر تحركين قامت بهما أخيراً، هما المناورات البحرية المشتركة مع كوريا الجنوبية وجهود دبلوماسية حثيثة للدفاع عن حرية منطقة بحر الصين الجنوبي.

المناورات العسكرية بين الولايات المتحدة وكوريا الجنوبية ذكرت الصين بالتفوق البحري الكبير، الذي لا تزال الولايات المتحدة وحلفاؤها يتمتعون به، حتى الآن، في المنطقة.

في الوقت نفسه، وفي اجتماع عقد أخيراً في هانوي لمنتدى دول آسيا، حضره وزراء خارجية عشر دول من جنوب شرق آسيا، بالإضافة إلى ممثلين عن الولايات المتحدة والصين ومسؤولين آخرين، نجحت فيتنام، بالتنسيق مع الولايات المتحدة، في إعادة وضع قضية بحر الصين الجنوبي على طاولة المفاوضات الدولية من جديد. وقد أزعج هذا الإجراء الصين، التي تصر على مناقشة موضوع الخلافات بشأن هذه المياه، باعتبارها سلسلة من المفاوضات الثنائية بينها وبين المطالبين بالحصول على حقوق في هذه المياه، وأكدت مجدداً مطالبتها بالسيادة على البحر الجنوبي.

من الطبيعي أن تستاء الصين من تدخل قوى نائية في منطقة لا ينازعها فيها أحد، إذا لم يحدث مثل هذا التدخل. غير أن الحشد المسلح الذي تقوم به الصين والضغوط المتزايدة التي تمارسها بحق جيرانها، في منطقة بحر الصين الجنوبي، من خلال تخويف شركات النفط من التنقيب قبالة سواحل فيتنام، على سبيل المثال، كلها عوامل أدت إلى إثارة الاستياء منها.

ورغم أن بعض الدول تمتنع عن التعبير صراحة عن هذا الاستياء، مخافة إغضاب الصين، فإن معظم هذه الدول تبدي قلقا الآن من سيطرة الصين على المنطقة التي تحدث بشكل بطئ، أكثر من قلقها إزاء سلوك الولايات المتحدة الإمبريالي. على كل حال يرى البعض أن الصين تطمح إلى تطبيق ما يناظر «مبدأ مونرو» في المنطقة المحيطة بها، بحيث يتم استبعاد الدول الغريبة من المنطقة من التدخل فيها.

لا يتفق كل المراقبين على أن واشنطن وسيؤول خانتهما الحكمة، عندما قررتا استعراض القوة في مياه المنطقة، رداً على إغراق سفينة حربية تابعة لكوريا الجنوبية هي السفينة «تشيونان»، والتي يعتقد بشدة أن كوريا الشمالية هي التي أغرقتها.

وفي كوريا الجنوبية لا تزال الآراء منقسمة بدرجة كبيرة حول أفضل سبل التعامل مع بيونغ يانغ، هل تلجأ إلى التشدد في المحادثات، وتفرض مزيداً من العقوبات، أم تتجاهل استفزازها، أم تحاول التصالح مجددا في إطار الأخوة من أجل كوريا الكبرى؟

أزعجت المناورات المشتركة الصين، وشدت من عزيمتها لمساعدة كوريا الشمالية. لكن تأييد الصين لكوريا الشمالية بشأن حادثة إغراق السفينة «تشيونان»، التي تضاف إلى مواصلتها أنشطتها النووية وتطويرها للصواريخ، جعل الكثير من الكوريين الجنوبيين يشعرون بالقلق إزاء الصين.

وقد أصيبت العلاقات بين الصين وكوريا الجنوبية بالفتور، بعدما كانت في طريقها إلى الدفء، كما أن الكثير من الكوريين في الجنوب يشعرون بقلق من الاعتماد المتزايد على التجارة مع الصين. كما أن تأييد بيونغ يانغ أضر أيضاً بصورة الصين، في جنوب شرق آسيا، حيث تحتفظ عواصم كثيرة أخرى بعلاقات مع سيئول.

وبإعلان الولايات المتحدة في هانوي أنها ترغب في توفير حرية الملاحة في بحر الصين الجنوبي وحل النزاعات المتعلقة به بالقانون الدولي، فقد وضعت واشنطن نفسها بقوة وثبات في معسكر فيتنام، والفلبين، وماليزيا، ودول أخرى لها مصلحة في تحقيق ذلك. ورغم أن الصين لا تمتلك سوى نحو خمس الخط الساحلي في هذه المياه، فإنها تدعي ملكيتها جميع الجزر الواقعة في المنطقة، والثروات الطبيعية فيها، علاوة على الحقوق الملاحية.

وتقوي الصين ادعاءاتها تلك من خلال نظرة أحادية للتاريخ حسب تفسير صيني محض، والذي يتجاهل حقيقة أن البحارة الذين تعود أصولهم إلى جنس المالاي، أجداد الماليزيين الحاليين، والفلبينيين، وأهل فيتنام، كانوا يسيطرون على هذه المياه قبل سيطرة الصينيين عليها بقرون عدة. فيتنام كانت أكثر دول المنطقة استعداداً للتفاوض مع الصين، كما أنها دعمت دفاعاتها، واشترت ست غواصات من روسيا. وبتأييد واشنطن، أحيت فكرة تحويل القضية إلى قضية دولية.

بقلم ـ فيليب باورنج - عداد - قسم الترجمة