تحل هذا العام الذكرى السنوية ال60 لبداية الحرب الكورية التي دأب المؤرخون على وصفها بـ «عمل بوليسي للأمم المتحدة»، ولكن للذين عاصروا الأحداث فإنها لم تكن إلا حرباً حقيقية. شارك في تلك الحرب أكثر من 900 ألف جندي تابعين للأمم المتحدة. وقتل أكثر من 95 ألفاً منهم، بما في ذلك 33 ألف جندي أميركي، كما أصيب نحو 103 آلاف من الأميركيين.

ورغم هذه الحقائق، فليس هناك متحف وطني للحرب الكورية، لكن هناك خططاً لإقامة متحف في سبرنغفيلد، بولاية إلينوي. الشيء الوحيد الذي يقترب من كونه إحياء لذكرى هذه الحرب هو معرض صغير، يحمل اسم «مذكرات من كوريا»، في متحف ومكتبة هاري ترومان، الرئيس الأميركي نهايات الأربعينيات من القرن الاخير.

ولا يجب أن يثير وجود المعرض في ذلك المكان أي نوع من الدهشة. فقد كان الرئيس ترومان شخصية مركزية خلال الحرب الكورية. ومن أشهر ما فعل، خلال تلك الفترة، عزله الجنرال دوغلاس ماك آرثر، الذي كان يريد مد رقعة الحرب إلى الصين، وكان يتبنى فكرة استخدام الأسلحة النووية ضدها.

يبدأ المعرض بتقديم مختصر للتاريخ، والذي يطلع الزائر على أن كوريا كانت دولة واحدة على مدى 1300 عام، وأن هناك فقط 250 اسم عائلة في كوريا، حيث إن 70% من سكانها يحملون الأسماء العائلية «كيم»، أو «لي» أو «بارك»، وأن أول طباعة بآلة معدنية كان في كوريا قبل مئة عام من اختراع يوحنا جوتنبرغ مطبعته الشهيرة. ويضم المعرض أصيصاً يعود إلى القرن الثاني عشر مصنوعاً من الخزف الكوري المميز، وكان مملوكاً للعائلة المالكة هناك.

وخلال الحرب العالمية الثانية، عوملت كوريا، مثل بقية دول آسيا الاخرى معاملة وحشية من جانب الجيش الامبراطوري الياباني. وبينما يتذكر الكثيرون تقسيم مدينة برلين بعد الحرب، فالمؤكد أن أحداً لا يعلم أي شيء عن الطريقة التي تم بها تقسيم كوريا.

في العام 1945، نظر دين راسك، الذي كان لا يزال موظفاً صغيراً في وزارة الخارجية الأميركية، والكولونيل بالجيش تشارلز بونستيل إلى خريطة من خرائط «ناشيونال جيوغرافيك»، ولم يجدا أي حد طبيعي بين شمال وجنوب كوريا، فاختارا خط العرض 38 ليكون خط تقسيم شبه الجزيرة الكورية. نصب السوفييت ديكتاتوراً، تلقى تعليمه في روسيا، هو كيم أيل سونغ، في الشمال، بينما وضع الأميركيون سينغمان ريه في السلطة في الجنوب.

كان هذا الموقع المتقدم للحرب الباردة، ينذر بأن يصبح ساخنا للغاية، عندما أعلن وزير الخارجية الأميركي آنذاك، دين أتشيسون، في يناير 1950، أن كوريا الجنوبية لا تدخل في محيط الاهتمامات الأمنية للولايات المتحدة. وبعد ستة أشهر فقط، كان الجيش الكوري الشمالي يتدفق عبر الحدود مع الجنوب في سبع فرق كاملة. وعلى الفور، أمر الرئيس ترومان بتوجه قوات أميركية إلى كوريا، وأصدر الأوامر إلى القوات الجوية ببدء قصف مواقع كوريا الشمالية.

وبحلول أغسطس من العام نفسه، احتلت قوات كوريا الشمالية معظم أراضي الجنوب، باستثناء منطقة صغيرة حول «بوسان». وفي منتصف سبتمبر شن الجنرال ماك آرثر عمليات إنزال برمائي على سواحل إنشون، قاطعاً بذلك خطوط إمدادات الشماليين. وخلال عشرة أيام كانت القوات الأميركية قد استعادت سيؤول. وفي أول أكتوبر عبرت قوات الأمم المتحدة خط التقسيم شمالاً واحتلت بيونغ يانغ يوم 19 أكتوبر، ودخلت في أولى معاركها مع الصينيين في 25 أكتوبر.

وخلال فصل الشتاء، اجرت البحرية الأميركية تحركها الشهير، وتراجعها في النهاية، عند نبع مياه تشوسن، وقصف الجنرال ماك آرثر الجانب الكوري من الجسور المقامة على نهر يالو، المؤدية إلى الصين، بالقنابل.

واشتبك طيارون أميركيون للمرة الأولى بمقاتلاتهم مع مقاتلات ميج-15 الروسية، وفقدت السيطرة على سيؤول، ثم استعيدت مرة أخرى. هذه القصة تحكيها بدقة «مذكرات من كوريا». لكنها تغفل حقائق أخرى، عبر عنها آخرون، مثل باتريك فاهيرتي، الذي كان يعمل مدوناً لسجلات المقابر آنذاك، والذي أثبتت مدوناته أن ما حدث لم يكن مجرد «عمل بوليسي».

بقلم ـ مارك يوست - ترجمة ـ عصام بيومي