كانت الخطة الأساسية لمستقبل أفغانستان، في مرحلة ما بعد طالبان، تدعو إلى إعادة بناء الدولة بسرعة. لكن مثل هذه الرؤية لم تعد تبدو ملائمة، ويبدو أنها لم تكن كذلك في أي وقت من الأوقات. الكثير من الأميركيين يشعرون بتحفظ الآن بشأن إمكانية تحقيق وضع مقبول ومستقر في أفغانستان. وهم يعتقدون أن أفغانستان لم يسبق أن توفرت لها إدارة ناجحة وفعالة، وأنه لا يمكن حكمها.
جانب كبير من المعارضة الشعبية الحالية للحرب في أفغانستان يتركز على المخاوف، واسعة النطاق، من أنه مهما كان النتيجة العسكرية للحرب، فلن يكون هناك وضع أفغاني سياسي نهائي مقبول، يمكن تحقيقه بتكلفة معقولة.
ويبدو أن إدارة الرئيس الأميركي باراك أوباما تشارك الجمهور هذه التحفظات، بشأن جدوى إقامة حكومة قوية ومركزية، على الطراز الغربي في كابول. وهي لا تعتقد أن مثل هذه النتيجة المتفائلة، أمر ضروري. وكما لاحظ وزير الدفاع الأميركي روبرت غيتس في العام 2009، لا تحتاج أفغانستان لأن تصبح دولة مثل «دول آسيا الوسطى المتطورة». ولكن، في الوقت نفسه، فإن نموذجا للصومال في المنطقة لن يكون مناسبا أيضا.
النجاح في أفغانستان سيعني في هذه الحالة الوصول إلى حالة «وضع نهائي متوسط النجاح»، في مكان ما بين النموذجي والمقبول. وعلى إدارة أوباما أن تحدد كيف سيبدو هذا الوضع. ومن دون حدود واضحة ومقبولة للمخرج النهائي للعملية العسكرية في أفغانستان، فإن حملة الولايات المتحدة وحلف شمال الأطلسي «ناتو»، ستكون سائرة على غير هدى، ومثلها ستكون أي إستراتيجية للتفاوض من أجل التوصل إلى تسوية مع طالبان.
وفي الحقيقة، هناك نطاق واسع من النتائج المقبولة، والتي يمكن إنجازها في أفغانستان. ولكنها جميعا ليست مثالية، وكلها تتطلب تضحيات. ومن الخطأ الاعتقاد بان أفغانستان لا يمكن حكمها بطريقة أو بأخرى، أو أن أي تضحية ستذهب هباء في محاولة الإمساك بهدف لا يمكن تحقيقه.
تاريخ أفغانستان ذاته يعطي الكثير من الأمثلة الوافرة على إمكانية إحلال نظام حكم مستقر ولا مركزي، يمكنه تلبية احتياجات العصر، من دون التخلي عن دستورها الحالي. ومن استخلاص الدروس من هذا التاريخ ومن التجارب الأفغانية الحديثة وأماكن أخرى، يمكن للولايات المتحدة أن تصوغ توصيفا عمليا للنجاح في أفغانستان.
استلهام التاريخ
منذ نهاية الحرب الأفغانية الإنجليزية الثانية في العام 1880، إلى الانقلاب الذي قاده محمد داوود خان في العام 1973، مرت أفغانستان بمرحلة استقرار نسبي وإعادة بناء تدريجي. ومع أن الدولة كانت تخضع للحكم الملكي المطلق حتى العام 1964، فقد كان أمراء أفغانستان، في الإجمال، في حاجة إلى إذعان الشعب للاستمرار في الحكم.
كانت الحكومة المركزية تفتقر إلى القوة والموارد لممارسة سيطرة محلية أو تنفيذ خدمات عامة في أجزاء كثيرة من البلاد. بدلا من ذلك فقد كان الحكم يجري من خلال سلسلة مساومات بين الدولة والمجتمعات المحلية، التي كانت تحصل على حكم شبه ذاتي، مقابل القليل من الولاء لنظام الحكم. وبمرور الوقت، وبينما طورت كابول قدرتها على انجاز الخدمات ومعاقبة المعتدين، تغير الوضع، وتلاشى الحكم الذاتي للمناطق تدريجيا.
لكن عندما تسارعت خطى هذه العملية، وبخاصة في العشرينات من القرن الماضي تحت حكم أمان الله خان، ثم في السبعينات تحت حكم حزب الشعب الديمقراطي، المدعوم من الاحتلال السوفيتي آنذاك، تفجر الصراع في الأطراف، وتحدت مراكز قوى محلية سلطة الحكومة المركزية. وأدى الغزو السوفيتي إلى تدمير أساسي للحكم المركزي والشرعية، وهو ما أدى إلى تفتيت السلطات السياسية والاقتصادية والعسكرية بين عدد من الجماعات العرقية. وانتهى بذلك عهد حكم ملوك الباشتون.
تريد واشنطن بالطبع، أن ترى أفغانستان مثل أي دولة، تحكم بإرادة شعبها، وتتمتع بالرخاء، وتحترم فيها حقوق الأقليات والنساء. وهناك احتمالات عدة للوضع النهائي في أفغانستان، لكن قليلا منها يتوافق مع مصالح واشنطن الأمنية وأهمها ألا يستخدم المسلحون أفغانستان كقاعدة انطلاق، وألا تستخدم أراضيها في زعزعة استقرار باكستان.
من الممكن أن تصبح أفغانستان دولة ديمقراطية مركزية، أو ديمقراطية لا مركزية، أو خليطا منظما من المناطق الديمقراطية وغير الديمقراطية، أو مجموعة من الدويلات المقسمة، أو تسقط في الفوضى، أو أن تصبح دكتاتورية مركزية. الاحتمالان الأول والأخير، غير مرجحين، والتقسيم والفوضى غير مقبولين. لكن الديمقراطية اللامركزية والسيادات المختلطة كلاهما ملائم ومقبول.
فشل المركزية
منذ العام 2001، سعت حكومة الرئيس الأفغاني حامد قرضاي، بدعم دولي، إلى تطبيق نموذج الديمقراطية المركزية. وكما كان متصورا في اتفاقية بون في العام 2001، ووفق ما ورد في الدستور الصادر في العام 2004، فان هذا النموذج يضع كل السلطات تقريبا في يد الحكومة المركزية.
وخلق ذلك واحدة من أكثر الدول مركزية في العالم، على الأقل، على الورق. الشخصيات السياسية المقربة من قرضاي دفعت في هذا الاتجاه، ضد رغبة الكثير من الأقليات غير الباشتونية، وبرغم تجارب أفغانستان الفاشلة السابقة، لإحلال حكم مركزي، وإن لم تكن ديمقراطية.
بين عامي 1919 و1929، طمح أمان الله خان إلى أن يصبح مثل كمال أتاتورك في تركيا، لكن إستراتيجيته قادت في النهاية إلى ثورة ريفية خطيرة، أنهت حكمه. كما أن المحاولات القسرية لفرض الحكم المركزي تحت الاحتلال السوفيتي، الذي أعقب انقلاب العام 1978، فجرت نشاط المجاهدين الأفغان، وأدت للحرب الأهلية.
وبعد إطاحة نظام طالبان في العام 2001، وبدعم كبير من الباشتون، ووسط مخاوف من عودة الحرب الأهلية، تم وضع دستور دولة مركزية. لكن الحكومة المركزية لم تهنأ أبدا بالشرعية المطلوبة. الاضطراب السياسي الذي شهدته أفغانستان، على مدى الثلاثين عاما الماضية، والتراجع السياسي، والاقتصادي، والعسكري، أدى إلى تدهور الوضع.
وبكل بساطة، فان نموذج الحكم الأفغاني الحالي يعد قفزة كبيرة في مكان لا تتمتع فيه الدولة المركزية بالشرعية ولا القدرة. وحتى يمكن إحلال سلام دائم تدخل في إطاره الجماعات العرقية والطائفية، علاوة على عناصر من حركة التمرد، تحتاج أفغانستان إلى اتفاق سياسي شامل ومرن ولا مركزي.
تقاسم السلطات
تقاسم السلطات سيكون أسهل في ظل نظام ديمقراطي لا مركزي، يتم خلاله تفويض الكثير من الصلاحيات، التي تتحكم بها كابول حاليا، إلى القوى الأخرى. بعض هذه الصلاحيات يجب أن يشمل وضع الموازنات وتنفيذها، وتفعيل أنظمة قبلية محلية بدلا من القضاء المركزي في بعض الجرائم، وجمع العائدات من المناطق المحلية، وتفعيل القوانين بها.
توسيع الحكم الذاتي المحلي سيسهم في كسب قلوب الأفغان الذين لا يثقون بكابول، والاستفادة من أرضية ممهدة بالفعل من الشرعية والهوية على المستوى المحلي. مسؤولية السياسة الخارجية والأمن الداخلي، يجب أن تبقى في يد الحكومة المركزية، لضمان عدم إيواء المناطق إرهابيين أو حدوث تمرد ضد الحكومة. هذا التصور يجب أن يكون مقبولا لدى واشنطن.
كما أن وجود حكومة ديمقراطية لا مركزية في كابول سينسجم مع الكثير من تجارب بناء الدول، بعد الحرب العالمية الثانية. كثير من الدول التي تأسست بعد صراعات في إفريقيا(إثيوبيا، وسيراليون) وفي أوروبا (البوسنة ومقدونيا) وفي آسيا (تيمور الشرقية ونيبال، مبدئيا)، وفي الشرق الأوسط (العراق ولبنان)، استخدمت خليطا من أنظمة الحكم اللامركزي المشترك بين أكثر من طرف. ورغم أنه من المبكر القطع بالتوفيق في هذه الحالات فان أيا من هذه الدول لم تنتكس حتى الآن.
ليست هناك ضمانة بأن الحكم الديمقراطي اللامركزي سينجح في أفغانستان. ولكن ما حققه هذا النظام في الدول الأخرى، ومناسبته بدرجة أكبر لتوزيع القوى في أفغانستان، يشير إلى أن هناك فرصة معقولة لنجاحه في موازنة المصالح وحل الخلافات هناك.
التحديات الثلاثة
يمكن أن يواجه هذا النظام في أفغانستان ثلاثة تحديات. الأول هو طالبان، التي ترفض الديمقراطية كمبدأ، ويتوقع أن تقاوم تنفيذه كما تقاوم الآن الديمقراطية المركزية. والثاني هو محدودية القدرات الإدارية للدولة الأفغانية. والثالث هو أن مراكز القوى الشريرة الأخرى قد تقاوم هذا النموذج. فإجراء انتخابات شفافة يمكن أن يهدد سلطتها وقدرتها على الاستفادة من الفساد. غير أن نموذج الديمقراطية اللامركزية يمكن أن يقدم حلولا لهذه التحديات الثلاثة. فتهميش دور طالبان سيتطلب قتالا عنيفا في ظل أي نظام مركزي أو لا مركزي. وستكون فرص النجاح كبيرة بتأييد الشعب.
وإذا شعرت طالبان بأن فرصها العسكرية محدودة، فربما يغري ذلك بعض أعضائها بالتصالح مع الحكومة. ولن يكون من السهل محاربة الفساد المستشري أو تحسين القدرات الإدارية. لكن نظاما شفافا يتخذ فيه المحليون معظم القرارات ربما يدفع زعماء أفغانستان التقليديين إلى احترام استخدامهم لسلطاتهم وللمال العام.
ثلاثة خطوط حمراء أمام «السيادة المختلطة»
اقتراح وجود أكثر من سيادة سياسية داخل أفغانستان هو نموذج يعد في حد ذاته توسيعا لفكرة اللامركزية. فهذا النموذج سيقتطع من سلطات الحكومة المركزية، ويمنحها إلى الأقاليم أو المناطق الأخرى. لكن نموذج «السيادة المختلطة» هذا، يزيد في شيء واحد على الديمقراطية اللامركزية. وذلك أنه يمنح السلطات المحلية، في تلك المناطق، صلاحية إضافية لأن تحكم من دون التزام بالشفافية أو قواعد الانتخابات، إذا أرادت ذلك، طالما أنها لم تتخط خطوطا ثلاثة حمراء، يحددها المركز.
الخط الأحمر الأول هو منع السلطات المحلية من استخدام أراضيها في انتهاك السياسة الخارجية للدولة، وبخاصة باستضافة معسكرات للإرهابيين والمتمردين. والثاني، هو منع الإدارات المحلية من الاعتداء على حقوق المناطق المجاورة.
أما الثالث فهو منع المسؤولين من الانخراط في عمليات سرقة، أو تهريب مخدرات ، أو استغلال موارد الدولة على نطاق واسع. وبعيدا عن هذه الخطوط الثلاثة يمكن للسلطات المحلية أن تتصرف كما تشاء بما تراه مناسبا، مع إطلاق يدها في تجاهل إرادة الخاضعين لحكمها، والتغاضي عن قيامها بعمليات فساد على نطاق متوسط.
وستحتفظ الحكومة المركزية في هذه الحالة بحق تسيير السياسة الخارجية، وإعلان الحرب، وتطبيق قوانين مكافحة المخدرات والضرائب، والمناجم، مع سلطات محدودة على التجارة بين المناطق. في ظل هذا الاتفاق ستكون السيادة مختلطة أكثر مما هي عليه في أي نموذج مطروح آخر، بحيث تتمتع الحكومات المحلية بمعظم صلاحيات الحكومة ذات السيادة.
ترجمة: عصام بيومي - بقلم : ستيفن بيدل - فوتيني كرستيا الكسندر ثيير



