قضت وزيرة الخارجية الأميركية هيلاري كلينتون الجزء الأكبر من فترة شغلها المنصب حتى الآن، مروجة لسياسة إدارة الرئيس الأميركي باراك أوباما تجاه الشرق الأوسط، أكثر منها صانعة لهذه السياسة. ومع استئناف محادثات السلام بين الفلسطينيين والإسرائيليين، أخيراً، ليس أمام هيلاري خيار آخر غير أن تلقي بنفسها في بحر صنع السلام الهائج المضطرب.
وستكون وزيرة الخارجية الأميركية مشاركة في صميم تفاصيل المحادثات عندما يلتقي الرئيس الفلسطيني محمود عباس مع رئيس الوزراء الإسرائيلي قريباً في القاهرة مجدداً. ويقول مسؤولون كثيرون إن دور هيلاري هو أن تحل محل المبعوث الأميركي الخاص إلى الشرق الأوسط جورج ميتشل، عندما يصطدم الطرفان بعقبات خطيرة في المفاوضات.
ربما يكون هذا هو أصعب اختبار تتعرض له هيلاري حتى الآن. وهو اختبار سيدعم مسيرتها الدبلوماسية، إذا تمكنت من حل هذه المعضلة التي فشل في حلها الجميع، حتى زوجها الرئيس الأسبق بيل كلينتون. وفي الوقت نفسه يمكن أن يشكل هذا الاختبار تهديداً كبيراً لطموحاتها السياسية المستقبلية إذا فشلت المحادثات.
وشهدت الجلسة الودية بين الرئيس الفلسطيني ورئيس الوزراء الإسرائيلي في مكتبها لدى انطلاق المحادثات، أخيراً، على الجهود الحثيثة التي بذلتها، عبر دبلوماسية الهاتف في الآونة الأخيرة، لتبديد الممانعة التي كان يبديها الفلسطينيون لحضور المفاوضات، وللحصول على دعم الدول العربية المجاورة، مثل مصر والأردن.
ويقول ستيفن هدلي مستشار الأمن القومي الأميركي السابق في الإدارة السابقة إن «من المؤشرات القوية إلى احتمال نجاح هذه الجولة من المحادثات أن هيلاري راغبة في الانخراط في المفاوضات». ويضيف: «هذا يجعلني أفكر بأمرين، الأول إنها تعتقد أن من الممكن نجاح المحادثات، والثاني أنه نظرا لمهارتها الدبلوماسية الكبيرة فان فرص النجاح ستكون أكبر».
ومن المشكلات الصعبة الكثيرة التي يتعين على هيلاري مواجهتها والتغلب عليها، مسألة توتر العلاقات المستمر بين إدارة أوباما وإسرائيل. وينظر الكثير من الإسرائيليين والجماعات اليهودية في الولايات المتحدة إلى أوباما نظرة عدم ثقة، حيث اعتبروا مجاملته للمسلمين، في بعض الأحيان، معاداة لإسرائيل. لكن، حسبما يرى المحللون، فان هيلاري تحافظ على مصداقيتها مع تلك الجماعات، بإبقاء العلاقات معها جيدة، وهو ما سيجعلها أقدر مسؤول في الإدارة الحالية على تسويق عملية السلام.
كما يقول مساعدوها إن لديها فهما أكبر لمواقف نتانياهو سياسيا، وهو ما سيجعلها أقدر على دفعه نحو قبول خيارات صعبة. السؤال الذي طرحه البعض من خبراء الشرق الوسط هو: هل لدى هيلاري الإصرار التفاوضي الكافي لإبقاء الطرفين على طاولة التفاوض؟ هل يمكن أن تتحلى، مثل وزيري الخارجية الأسبقين، هنري كيسنجر وجيمس بيكر، بمهارات التبجح، والتظاهر، وتكبيل الأيدي، والدهاء، من أجل التوصل إلى اتفاقات بين الفلسطينيين والإسرائيليين.
يقول آرون ديفيد ميللر، الذي شارك في مفاوضات السلام خلال إدارة الرئيس بيل كلينتون: «هي صارمة، هي أكثر صرامة من زوجها.» ويضيف: «لكن السؤال هو: هل تتمتع بعقلية المفاوض؟، هؤلاء أناس أشداء في منطقة قاسية ويعرفون كيف يؤثرون في الناس.»
في بداية تسلمها منصبها وزيرة للخارجية، شكك البعض في حجم الدور الذي يمكن أن تلعبه هيلاري، وخاصة بعد تعيين مبعوثين خاصين مثل ميتشل، وريتشارد هولبروك، المبعوث الأميركي الخاص إلى أفغانستان وباكستان. ورأى البعض أنه في حالة الشرق الأوسط، حيث يملك ميتشل صوتاً مؤثراً في صنع السياسة، عزلت هيلاري نفسها بعيدا لتحمي نفسها من احتمالات الفشل. وإذا كان هذا هو ما حدث من قبل، فإنه لم يعد ممكنا أن يحدث الآن.
وقد أظهرت هيلاري أولى مهاراتها التفاوضية العالية في زيورخ، في أكتوبر الماضي، عندما حلت خلافاً، ظهر في اللحظة الأخيرة، وكاد يفسد توقيع اتفاق بين تركيا وأرمينيا، بشأن تطبيع العلاقات بين البلدين.وبينما كانت تجلس في سيارة ليموزين فارهة سوداء في المدينة السويسرية، كانت تمسك بيديها هاتفين تتبادل الحديث فيهما مع ممثلي العدوين التقليديين، لتوفق بينهما ولو بصورة مؤقتة لتوقيع الاتفاق.
وفي يونيو الماضي، وبينما كانت تجلس في مقهى فندق في العاصمة البيروفية ليما، تمكنت هيلاري من وضع النقاط النهائية لاتفاق مع دبلوماسي صيني، بشأن أسماء الشركات التي يمكن وضعها على قائمة الأمم المتحدة للعقوبات ضد إيران، بسبب برنامجها النووي. لكن هذه تبدو مسائل ثانوية مقارنة بما ينتظرها في المفاوضات بين الفلسطينيين والإسرائيليين.
بقلم ـ مارك لاندر

