يمكن القول إن ما سنتناوله بالعرض ليس مجرد كتاب، إنه أكثر من ذلك بكثير، انه نظرية سياسية متكاملة وخطة استراتيجية لدولة إقليمية بارزة.
هذا وصف سريع ودقيق لكتاب «العمق الاستراتيجي- المكانة الدولية لتركيا» لمؤلفه، وزير الخارجية التركي د.أحمد داود أوغلو، والذي سترى نسخته العربية النور في غضون فترة قريبة.وتسعى «البيان» الى تقديم قراءة موسعة وشاملة للكتاب، نقلا عن نسخته التركية التي صدرت للمرة الأولى في العام 2001، وشكلت، مع تولي حزب العدالة والتنمية الحكم في تركيا بعد وقت قصير من ذلك، الفلسفة الاساسية التي تقوم عليها السياسة الخارجية التركية.وباختصار مكثف، يمكن القول إن هذا هو لب تفكير أحمد داود أوغلو.لا يخفي أحمد داود أوغلو ابداء حساسية عالية جدا تجاه الرؤى الغربية والأميركية التي وضعت بلاده في مكانة هامشية أو طرفية ضمن النظام العالمي، وخاصة في مرحلة ما بعد الحرب الباردة.
ويفنّد د. داود أوغلو، بثقة وهدوء، وهما صفتان يمكن تلمسهما بوضوح في شخصيته أيضا، نظريات العديد من المفكرين الغربيين، ويكشف زيفها، وفي المقدمة من النظريات التي يتصدى لها، رؤية الباحث الاميركي صاموئيل هنتينغتون في كتابه «صدام الحضارات» حيث وصف تركيا بأنّها دولة أطراف ممزقة، توجد على أطراف الغرب من جهة وعلى أطراف الشرق من جهة أخرى، وقد أراد هنتينغتون من خلال هذا الوصف الحط من مكانة تركيا من منظور الجغرافيا السياسية.
وينبري الوزير التركي مفندا هذه النظرية، ومؤكدا ان تركيا تمثل دولة مركزية ومحورية، والدليل على ذلك هو تواجد تركيا في مكان قريب من المنطقة الجغرافية المسماة «آسفرو آسيا» أي أفريقيا وأوروبا وآسيا.
فتركيا من الناحية الجغرافية ليست دولة أوروبية وحسب، بل هي دولة آسيوية أيضا، وليست دولة آسيوية وحسب بل هي دولة أوروبية أيضا، وهي ليست دولة واقعة ضمن حوض البحر الأبيض المتوسط وحسب، بل هي واقعة في حوض البحر الأسود أيضا، كما توجد أجزاء من تركيا في البلقان والقوقاز والشرق الأوسط.
يؤكد منظر السياسة التركية المعاصرة أنه عندما يتم النظر الى تركيا من الغرب تظهر على انها دولة شرقية وإذا ما نظر اليها من الشرق فإنها تظهر دولة غربية وعندما يتم النظر اليها من الشمال أي من ناحية الدول المتطورة اقتصاديا، نجد انه ينظر اليها على انها دولة جنوبية من حيث الكثافة السكانية والوضع الاقتصادي المتردي وانخفاض دخل الفرد وغير ذلك، أما إذا تم النظر اليها من الجنوب فيمكن اعتبارها جزءا من دول الشمال.
وعبر مياه البحر الأسود وبحر ايجه وسواحل البحر الأبيض المتوسط، تُجاور تركيا 25 بلدا ساحليا، كما ان كل حركة المرور من وإلى البحر الأسود تمر عبر المضائق التركية. كما أن منبعي نهري الدجلة والفرات ينطلقان من الأناضول، وبالتالي تسيطر تركيا على المياه العذبة لسوريا والعراق فتركيا والحالة هذه، تمتلك القدرة على التأثير والتأثر بالدول المحيطة بها، وبذلك تكون تركيا من الناحية الجغرافية دولة مركز وليست دولة أطراف.
وهناك ما لا يقل عن 12 مليون كردي يعيشون في تركيا، وأكثر من 5 ملايين كردي يعيشون على الحدود في شمال العراق، كما ان اللغات والثقافات التركية تغطي كل المنطقة الممتدة من جنوب شرق أوروبا إلى شمال غرب الصين.
أما من الناحية التاريخية فتقع تركيا في وسط المكان الذي تشكّل فيه تاريخ الحضارات الاساسية في المنطقة وفي تاريخ البشرية عموما، كما كانت اسطنبول مقرا للخلافة والإمبراطورية العثمانية التي هيمنت على القدس وسراييفو ومكة والقاهرة وبلغراد ودمشق وبغداد على مدى أجيال.
يقول د. داود أوغلو: «عندما نلقي نظرة على حضارة بلاد ما بين النهرين والحضارات المصرية واليونانية والإسلامية والرومانية والعثمانية نجد أن تركيا ليست دولة أطراف، بل هي دولة تؤثّر في عدة حضارات وتتأثّر بها في الوقت نفسه، فهي دولة مركز من الناحيتين التاريخية والثقافية».
فرصة لدور فعّال
وخلافا للنظريات القائلة ان التنوع العرقي والثقافي في تركيا يشكل عبئا على هوية البلاد ومنظوماتها الثقافية والعقائدية والتاريخية، يؤكد داود أوغلو ان التنوع الحضاري والثقافي والتاريخي والجغرافي والديني، لا يشكل عبئًا على تركيا كما يتصوّر البعض، وإنّما يشكل في مجمله فرصة للقيام بدور فعال ليس فقط في النظام الإقليمي المحيط بها، وإنما في النظام العالمي أيضًا، ما يعني ان الدور التركي ينطوي على تلك الابعاد الحضارية والثقافية والتاريخية والدينية، وهي ميزة تركية خالصة.
ويكمل أوغلو قائلاً: «إذا ما ألقينا نظرة إلى خطوط تدفق الطاقة، نجد أن هذه الخطوط تتوه وتُضيع طريقها إذا ما حذفت تركيا من الخريطة، فمن خلال تركيا تمر خطوط أنابيب النفط والغاز الطبيعي الى العالم، مثل خطوط نفط باكو- تبليس وجيهان، وخطوط أنابيب كركوك يامورتالك، وخطوط أنابيب أخرى».
ويمضي ليتحدث عن رؤية مستقبلية بالقول إنه «إذا ما وحّدنا فضائل الشرق، أي فضائل الحضارة الإسلامية، مع عقلانية الغرب ومع خصوبة اقتصاد الشمال مع البحث عن العدالة في الجنوب، وأنا مؤمن بأن ذلك سيتحقق، نجد أن تركيا تمتلك المؤهلات التي تمكنها من أن تصبح دولة نموذجية للمعطيات الثقافية للعولمة وللأفروآسيوية، وتمتلك قوة تستطيع من خلالها التدفق نحو محيطها».
ولعلها مفارقة لافتة ان يكثر د. داود أوغلو من مهاجمة هنتيتغتون، المقرب من هنري كيسنجر، في إطار افتراقه كليا عن تلميح بعض الكتاب والاكاديميين العرب والغربيين بوصفه (كيسنجر تركيا) حيث يرفض بشكل قاطع هذا الوصف، ويقول انه صاحب منهج استراتيجي أصيل، ينسب له وحده.
نظريات العمق والقوة
وطبقا ل«نظرية العمق الاستراتيجي»، استنبط د. داود أوغلو في كتابه العديد من النظريات عن دور بلاده في السياسة العالمية، تبدو في مجملها اكثر عملية من نظريات أخرى سادت في مؤسسات دبلوماسية عريقة أخرى. ومن أهم تلك النظريات، نظريته القائلة إن «التفوق العسكري لا يعوض ضعف المرونة الدبلوماسية»، وتلك التي تقول: «لا وجود لجار أو خصم ضعيف»، وثالثة تقول: «في علاقاتنا الدولية لسنا مع أحد ضد آخر».
ويعتقد الدبلوماسي التركي الأول ان بلاده تحررت من مواجهات الشرق والغرب، طيلة سنوات الحرب الباردة، وأن بعدا جديدا آخر بدأ في إثبات وجوده، حيث ما عاد من الممكن اعتبار تركيا ذيلا للغرب، وإنما دولة في المركز. ويعتقد أن «تركيا محاطة من جوانبها الثلاثة بالبحر، ومن جانبها الرابع بالأسواق» لذا يتعين عليها توظيف خصائصها الجغرافية والتاريخية الفريدة من نوعها، خدمة لسياساتها الخارجية المميزة.
انتقال الهيمنة
ويؤكد أن «كل مجتمع واعد يزعم بأنه يؤثر في التاريخ وليس كمّاً مهملاً، وأنه يكتب التاريخ وليس يقرأه، إنما هو مجتمع مضطر أولاً لإعادة تفسير زمانه ومكانه، وبلورة وعي متجدد بعمقه الاستراتيجي: الجغرافي والتاريخي والحضاري».
ويتنبأ بأنّ الهيمنة الحضارية ستنتقل من المحور الأطلسي إلى محاور أخرى لا تزال في مرحلة التشكيل، يأتي في مقدمتها «المحور الباسيفيكي» حول الصين والهند واليابان، أو المحور الحضاري الإسلامي، وفي القلب منه تركيا وإيران وباكستان ومصر.
ملامح مستقبلية
في معرض شرحه للاستراتيجية التركية يعتقد د. داود اوغلو أنه في هذه المرحلة الحرجة التي تمر بها العلاقات الدولية، فإن الديمقراطية والتعددية والتنمية المستدامة والتطور البشري وتأسيس الفهم المتبادل والتناغم والتأني بين الثقافات اكتسبت أهمية وأولوية، وزادت الحاجة إلى إيجاد الحلول للمشاكل على أسس القوانين الدولية وتعددية الأطراف الفعالة.
ويعتقد ان على بلاده أن تنتهج، في خضم هذه المرحلة، سياسة خارجية إنسانية ومتأنية وهادفة ومتعددة الأبعاد، وفي هذا الإطار، تولي تركيا أهمية خاصة لروابطها العابرة للمحيط، فهي تشارك بفاعلية في جهود حلف شمال الأطلسي لحماية الأمن والاستقرار العالميين، وتستمر في تعزيز علاقاتها مع الدول المجاورة، وتواصل مسيرتها نحو عضوية الاتحاد الأوروبي بحزم، وتسعى إلى المساعدة في إزالة الخلافات بين دول الاتحاد والدول الثلاث، وترسم صورة قوية تزداد فاعليتها في السياسة الخارجية عبر انفتاحات جديدة.
ولأن منطقتي الشرق الأوسط والقوقاز من المناطق المحيطة بتركيا، وتتخللهما نزاعات ثقيلة قد تشتعل فتيلتها بين لحظة وأخرى بالرغم من الجهود الرامية إلى تأسيس السلام والاستقرار فيهما، ولكون الوضع في البلقان مازال محتفظا بحساسيته، لذا فإن السياسة الخارجية الفعالة التي تنتهجها تركيا تحتمها المشاكل الإقليمية، إلى جانب كونها خيارا مسؤولا لها.
وفي هذا الإطار، يرى د. أوغلو انه يتعين على تركيا انتهاج سياسة خارجية فعالة وسلمية وذات مبادئ في رقعة واسعة تشتمل على المساعدات الإنسانية والمشاركة في عمليات حفظ السلام وحل الخلافات والمصالحة وإعادة الإعمار.
وفي ظل العولمة وكعضوة فعالة ومسؤولة في المجتمع الدولي، تبذل تركيا كل ما في وسعها لمصالحة الغرب مع الشرق والشمال مع الجنوب وتؤدي دورا حيويا في جميع المناطق. كما أن لتركيا مكانة فريدة لتعزيز الحوار والتقارب بين الثقافات لموقعها الجغرافي في وسط آفروآسيا وروابطها التأريخية والثقافية الواسعة النطاق.
ويعتقد أوغلو ان دور بلاده ينطلق من ثوابت الرؤية الحضارية التي يؤكد من خلالها نظريتين لديه:
* الأولى: إن الثقة بالذات الحضارية مصدر قوة إضافية للدولة في علاقاتها الخارجية، وخاصة إذا اقترنت بتجاوز عقدة النقص، وبالتغلب على الشعور بالدونية تجاه الطرف الآخر.
* الثانية: أنه كي تكون ناجحا في إدارة العلاقات الدولية يتعين عليك مراعاة التوازن الدقيق بين قوة الأمر الواقع، وقوة الحق الأصيل، حيث لا تجوز المغامرة بمواجهة قوة الأمر الواقع دون استعداد كاف، كما لا يجوز التفريط في قوة الحق الثابت الأصيل، ومن هنا يمكن إنجاز الكثير في المسافة القائمة بين قوة الأمر الواقع، وقوة الحق الأصيل في ضوء موازين القوى التي تتحرك باستمرار ولا تعرف السكون أو الجمود.
الحلقة 3
المؤلف: د. أحمد داود أوغلو
الناشر: الدار العربية للعلوم ومركز الجزيرة للدراسات
عرض وإعداد: كامل عبدالله
عدد صفحات الكتاب: 600
ترجمة: محمد ثلجي وطارق عبد الجليل
مراجعة: د. بشير نافع وبرهان أوغلو

