استمرار العنف بشراسة في العراق، حيث يقتل عدد من الناس بالقنابل والرصاص أكثر مما يحدث في أفغانستان، يقود إلى سؤال حول مدى استقرار الوضع العراقي بمجرد اكتمال الانسحاب الأميركي في نهاية العام المقبل.

لقد أوصى سياسيون، وعسكريون، وخبراء أميركيون ببقاء القوات الأميركية لفترة أطول في العراق، رغم أن تلك القوات لم تستطع وقف أعمال العنف حتى عندما كانت في أقصى استعداداتها.

والحقيقة المؤسفة ربما تكون أن العراق حقق بالفعل شكلا مفزعا من أشكال عدم الاستقرار، الذي سيكون العنف المتواصل، والحكومة شبه المعطلة، من سماته. الأمر الأسوأ هو أنه ربما لا تكون هناك ظروف مواتية لتغيير الوضع القائم.

من الناحية السياسية، ربما يبدو العراق مشابها للبنان بشكل متزايد، مع تطلع كل جماعة أو طائفة للحصول على حصة من السلطة والثروة. ولكن إذا كان العراق يتجه لأن يكون لبنان آخر، فإنه سيكون «لبنان غنياً».

فجهاز الدولة ربما يكون معطلا ومختلا، لكنه يملك نحو 60 مليار دولار من عائدات النفط سنويا، يمكنه إنفاقها على رواتب القوات الأمنية، والإدارة المدنية، بصفة خاصة. أحد الوزراء العراقيين يقول إن المرة الوحيدة التي رأى فيها النخبة السياسية العراقية في حالة ذعر حقيقي كانت عندما انخفض سعر برميل النفط إلى أقل من 50 دولارا، قبل نحو عامين.

عائدات النفط هي التي تبقي العراق متماسكا، ومختلفا عن أفغانستان، التي تعتمد حكومتها على المساعدات الخارجية. العرقيات المختلفة في العراق ربما تكون غير متوافقة، لكنها لا تستطيع البقاء من دون حصة في أموال النفط، أو في الوظائف التي تنفق عليها تلك الأموال. ثلث عدد السكان العراقيين، البالغ 27 مليون نسمة، يعتمد على الحصص التموينية، التي تقدمها الحكومة لمنع حدوث حالات سوء تغذية.

وحتى في الشمال فإن المواطنين يعتمدون على مساعدة تقدمها بغداد بمقدار أربعة إلى خمسة مليارات دولار، للإنفاق على الحكومة المحلية. وبخلاف النفط وإنفاقه على مؤسسات الدولة لا يوجد أي شيء آخر يبقي العراق متماسكا. فالمشهد السياسي يميزه الانقسام العرقي والطائفي. والولاءات الطائفية هي التي حددت نتائج انتخابات مارس الماضي، كما فعلت في انتخابات 2005. ولا شيء يدل على أن ذلك يتغير.

وهذا لا يجب أن يشكل مفاجأة كبيرة. الجماعات المختلفة يجمع بينها أنها عانت من مآس ومذابح على أيدي نظام الرئيس العراقي السابق صدام حسين. نتيجة تلك المذابح هي أن كل جماعة تتصرف الآن وكأنها تعيش في دولة منفصلة. النظام السياسي الجديد وضع لتشجيع الجماعات المختلفة على التعايش وتقاسم السلطة، وليس تجاهل بعضها للبعض الآخر. ولكن في التطبيق العملي، فقد تحول عدم الرغبة في تقديم تنازلات إلى وصفة لجمود سياسي دائم.

رد الفعل الطبيعي الذي يظهره السياسيون العراقيون، عندما يواجهون أزمة في العلاقات مع جماعة من تلك الجماعات، ليس هو السعي لإيجاد حل وسط، ولكن طلب العون من الخارج. وهذا هو ما يجعل الوضع صعباً للغاية بالنسبة لإعادة بناء العراق دولة مستقلة بحق.

في ضوء كل تلك المعوقات، يبدو أن العراق حقق نوعا من الاستقرار. الحرب الأهلية كان فيها منتصرون ومنهزمون، ويبدو أن أصحاب الأغلبية العددية هم الذين انتصروا. وهم الآن يسيطرون على الدولة، ولا يبدو أنهم سيتخلون عن ذلك.

وليس من مصلحة الشمال الدخول في حرب بسبب السيطرة على المنطقة. الحكومة المنتظرة، والتي تأخرت كثيرا، يبدو أنها ستكون مشابهة لتلك الموجودة الآن. توزيعات السلطة نفسها ستكون موجودة في الحكومة الجديدة مع اختلافات بسيطة، والطرف المتضرر لن يكون بمقدوره استخدام القوة لبدء تمرد آخر.

أيا كان الأمر، فان النظام السياسي العراقي يتبلور حاليا. والقوى الخارجية التي أدت إلى عدم استقراره باتت أقل قوة. الجيش الأميركي ينسحب. ويصور هذا على أنه سبب لعدم الاستقرار، لكن بالممارسة، فقد كان وجود الجيش الأميركي في العراق منذ العام 2003 عامل عدم استقرار كبير للمنطقة بأسرها.

فقد تعامل جيران للعراق بجدية مع تصريحات الرئيس السابق جورج بوش عن «محور الشر»، وعملوا على ألا يستقر العراق. وقد عملت واشنطن بشدة لتفادي الوصول إلى هذا الوضع، بلا فائدة. الآن، ربما لا يكون العراق مكانا جيدا للغاية، لكن المرجح أنه سيبقى كذلك.

بقلم ـ باتريك كوكبرن