الجهود الأميركية في العراق لم تنته بعد. القوات الباقية «للمساعدة والنصح»، إضافة إلى الوجود الدبلوماسي القوي، استمرار لجهود مساعدة العراق للتقدم نحو الديمقراطية. الشعب الأميركي والحلفاء، وخاصة الشعب العراقي، دفعوا جميعا ثمنا باهظا. ومن المهم أن نتذكر لماذا كان ذلك.
لأكثر من عقدين من الزمان، كان نظام صدام حسين السابق في العراق يشكل تهديدا للأمن القومي الأميركي، ولحلفاء أميركا الرئيسيين، ولاستقرار الشرق الأوسط. فقد غزا العراق عددا من جيرانه، وهدد آخرين. كما أنتج أسلحة دمار شامل استخدمها ضد شعبه، وهدد باستخدامها ضد آخرين.
وقد عمل العراق بنشاط في دعم الجماعات المتشددة على اختلافها. كما قمع شعبه، ونكل به. وغزا الكويت من دون أي استفزاز، مما أدى إلى حرب العام 1991. وانتهك شروط وقف إطلاق النار. وتحدى إرادة المجتمع الدولي، بانتهاكه ما لا يقل عن 16 من قرارات مجلس الأمن الدولي التابع للأمم المتحدة، التي أدانت نشاطاته، ودعت إلى وقفها.
ومن منظور الأمن القومي الأميركي، فإن رؤية أميركا للعراق في مرحلة ما بعد صدام كانت تتركز على إيجاد حكومة عراقية لا تسعى لامتلاك أسلحة دمار شامل، ولا تغزو جيرانها، ولا تدعم الإرهاب، ولا تقمع الشعب. وقد تحقق هذا الهدف. الحكومات، التي تلت نظام صدام، وتلك التي ستأتي في المستقبل، عملت وستظل تعمل على الالتزام بهذه المعايير، لأن الشعب العراقي أدرك أن في ذلك مصلحته.
كان من أهداف واشنطن أيضاً أن تبني عراقا يستطيع حكم نفسه بنفسه، ويدافع عن نفسه، ويواصل مسيرته، ويكون شريكا في الحرب على الإرهاب. وهذا الهدف بدوره تم تحقيقه.
لكن القاعدة في العراق لا تزال قادرة على شن هجمات كبيرة. غير أن مثل هذه الهجمات لن تمثل تهديدا استراتيجيا، ولا مقدمة لعودة العنف الطائفي. ما يقلق حقا هو التأخر في تشكيل حكومة عراقية جديدة لمدة 6 أشهر، لكن كل الزعماء العراقيين يقرون عمليا، بالحاجة إلى تشكيل حكومة موسعة وشاملة.
وبمجرد تشكيلها فان على تلك الحكومة أن تحسن بشكل جذري الخدمات المقدمة للشعب، وأن تطور حقول النفط الضخمة التي يمكن أن تمول النمو الاقتصادي، والرخاء الداخلي، في المستقبل. وقد أظهر العراقيون أنهم مستعدون وراغبون وقادرون على إدارة بلادهم. ولن ترضى أميركا وحلفاؤها وهم أكثر من 30 حليفا، وقبلهم الشعب العراقي، مجرد أن يحل محل نظام صدام، نظام آخر سلطوي أكثر قسوة.
لكن هذه الأطراف لم تسع إلى إيجاد ديمقراطية على الطراز الغربي في بغداد. ما تم الاتفاق عليه كان مساعدة الشعب العراقي على إحداث بداية معقولة نحو بناء مؤسسات نظام ديمقراطي على الطريقة العراقية، يضم كل الجماعات. وهذا الهدف تحقق أيضا. حكومة العراق المختلطة، التي يتم العمل لتشكيلها، ستكون قادرة على إثبات أن الجميع يمكنهم العمل معا في إطار ديمقراطي.
الشعب العراقي هو العنصر الأساسي في هذا النجاح. لقد تجرع أبناؤه الكثير من العذاب في ظل نظام صدام، وعانوا صعوبات هائلة بعد الغزو، وانضموا إلى أميركا لتحرير أنفسهم من الإرهاب، وأقبلوا على التصويت في الانتخابات برغم العنف المستشري في كل مكان. لكن حتى العراقيين يعترفون بأنهم لم يكونوا لينجحوا من دون الولايات المتحدة.
ربما كانت أكثر اللحظات حرجا هي إعلان الرئيس السابق الأميركي جورج بوش في يناير 2007، زيادة عدد القوات الأميركية بمقدار 20 ألف جندي وتغيير الاستراتيجية العسكرية. وقد واجه معارضة عنيفة آنذاك من قبل الكونغرس والمعلقين الذين طرحوا كل الاحتمالات بداية من الانسحاب الفوري إلى تقسيم العراق. وهي خطوة أدت إلى النجاح في بدء سحب القوات منذ ديسمبر 2007، وإلى اتفاق شراكة استراتيجي مع بغداد.
ومما يحسب للرئيس باراك أوباما أنه بنى على ذلك النجاح، وأنه يواصل سحب القوات كما وعد، ولكن عليه أن يواصل المسيرة الدبلوماسية والاقتصادية.
بقلم ـ ستيفن هادلي - ترجمة ـ عصام بيومي
