أصدر مكتب البحوث الاقتصادية الوطني الأميركي تقريرا حول آثار سقوط ضحايا مدنيين في أفغانستان والعراق، وجاء بنتيجة طالما أكدها منتقدو السياسة الخارجية الأميركية لسنوات طويلة، وهي أن قتل المدنيين حتى ولو كان بشكل غير متعمد، يغضب المدنيين الآخرين، ويدفعهم للأخذ بالثأر. وهذا أمر يجب أن يكون بديهيا.
اعترفت وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية، منذ زمن بعيد، بمفهوم «رد الفعل الاحتقاني»، في سياسة الولايات المتحدة الخارجية، وحللت أبعاد ذاك المفهوم. ولا يزال من الأمور المحيرة أن الكثيرين يعتقدون أن الهجمات ضد الجنود الأميركيين، الذين يحتلون أراضي أجنبية معادية، تحركها دوافع الكراهية ضد نظام الحكم الأميركي، أو دوافع دينية خاصة بالمهاجمين.
وفي الحقيقة، فان معظم الغضب الموجه إلى الأميركيين مرده إلى أن المهاجمين يرون أمهاتهم وآباءهم وأخواتهم وإخوانهم، والكثير ممن يحبون، يقتلون بأيدي جيش أجنبي. لا يهم ما هي دوافعنا، فالعنف الذي تخلفه الآلة العسكرية الأميركية في أراض أجنبية، يدفع سكان تلك الأرض إلى طلب الثأر، عندما يتم قتل الأبرياء. لا يجب أن يكون هؤلاء من دين بعينه ليتصرفوا هكذا، يكفي أن تكون إنسانا لتشعر بهذه المشاعر.
إن معركة أميركا في أفغانستان تشبه المعركة ضد وحش الهيدرا ذي الرؤوس المتعددة في الأساطير اليونانية (كلما قطعت له رأسا ظهر مكانها رأسان). وحسب الجنرال ستانلي ماكريستال القائد الأميركي السابق في أفغانستان، فان كل متمرد يقتل يأتي مكانه عشرة جدد، نتيجة مشاعر الغضب، التي يخلفها القصف والقتل العشوائي للمدنيين.
وكل هجوم لقوات التحالف يقابله ست هجمات انتقامية خلال الأسابيع الستة التالية. ثم يكون على قوات التحالف الرد، الذي يواجهه رد جديد من جانب المتشددين، وهكذا، دائرة العنف لا تتوقف.