ربما لا يعرف الكثير من الأميركيين بمن فيهم أولئك الذين يتفاخرون بأنهم يحفظون تاريخ بلدهم، أي شيء عن موقعة «ستونز ريفر»، التي وقعت في منطقة باردة في يناير 1863. وقد وفرت هذه المعركة للقوات الاتحادية (الشمال) آنذاك السيطرة على وسط ولاية تينسي، علاوة على دعم معنوي كان الاتحاد في أمس الحاجة له، بعد أسبوعين فقط من كارثة هزيمة «فريدريكسبورغ»، في ولاية فرجينيا، ضد الجنوبيين، وذلك إبان الحرب الأهلية الأميركية.

أسفرت المعركة أيضا عن سقوط 1700 قتيل في صفوف الاتحاديين في الشمال، ومقتل 1300 جندي في صفوف قوات الولايات الجنوبية المتحالفة (الكونفدرالية). وهذا هو تقريبا ثلاثة أضعاف خسائر الولايات المتحدة من القتلى على مدى ثماني سنوات من الحرب في أفغانستان.

ليس من السهل على الإطلاق القول بأن أفغانستان لا تزن الكثير في ميزان التضحيات العسكرية الأميركية،. لكن الاعتراف بحقيقة تاريخية لا يعني التقليل من الكلفة التي كبدتها الحرب الجنود الأميركيين وعائلاتهم.

هذا المثال التاريخي يعطي فقط تثبيتا ذهنيا، لمعادلة الرعب المتزايد إزاء ما يحدث في أفغانستان. ما يقلل حقا من حجم هذه التضحيات، بالنسبة للذين فقدوا أرواحهم بالفعل أو الذين لا يزالون يقاتلون، هو القول بأن الحرب ليست إلا مهمة غير شرعية في أرض ضائعة.

قلت، أخيرا، إن انسحابا أميركيا من أفغانستان يتبعه نصر كامل أو جزئي لحركة طالبان، سيعني كارثة إنسانية للأفغان، مشابهة لما حدث في جنوب شرق آسيا، بعد تغلب الشيوعيين في العام 1975. تفادي حدوث مثل هذه الكارثة، بالبقاء في أفغانستان، هو التصور الليبرالي للحرب.

ولكن ماذا عن المفهوم المحافظ للقضية؟ لنبدأ بأفضل تصور محافظ ضد الحرب. يتضمن ذلك أن كل محاولات بناء أفغانستان، وجعلها دولة، سيثبت فشله كما فشلت كل المحاولات السابقة لإخضاعها.

وأن أفغانستان هي مجرد عرض جانبي، بينما التركيز يجب أن ينصب على باكستان، وإيران ومناطق أخرى. وأنه حتى مع حدوث نتيجة إيجابية في أفغانستان، فلن يبرر ذلك الخسائر في الأرواح والجهد والنفقات. علاوة على أن أميركا هزمت القاعدة بالفعل، ويمكن كبح تحركاتها من خلال ضربات الطائرات من دون طيار. وأنه إذا ذبح الأفغان بعضهم البعض بعد انسحاب القوات الأميركية، فهذه هي شؤونهم الخاصة ودليل آخر على صحة هذا الرأي.

هذا التحليل ربما يكون مقنعا أكثر، إذا كنا نتحاور بشأن اتخاذ قرار بغزو أفغانستان في المقام الأول، وكما لو كان التاريخ هو جهاز تشغيل صوتي، يمكن إعادة شريطه من البداية، والتسجيل من جديد كيفما شئنا. (هنا يوجد وهم ليبرالي).

أميركا بالفعل في أفغانستان الآن. لذلك فالخيارات المتاحة ليست بشأن ما كان يجب أن نفعله في العام 2001، عندما كان معظم الأميركيين، وتقريبا كل المحافظين، يطالبون بالاستيلاء على قندهار بالطريقة نفسها التي استولى بها الجنرال شيرمان على أطلنطا خلال الحرب الأهلية. السؤال هو: ماذا نفعل الآن في 2010؟. بالنسبة للمحافظين بصفة خاصة، كان يجب أن تحتوي الإجابة على إشارات إلى مفاهيم الاتساق والمسؤولية.

الاتساق، بمعنى تأييد إستراتيجية لمكافحة التشدد في أفغانستان، مشابهة لتلك التي طرحها المحافظون (وآتت ثمارها) في العراق، بعد فشل مبدأ «البصمة الخفيفة»، الذي تبناه نائب الرئيس الأميركي جو بايدن. والمسؤولية، بمعنى الالتزام مع الذين قدمنا لهم وعودا معينة.

هذه ليست مجرد حجة أخلاقية. فالولايات المتحدة لا يمكنها أن تبقى قوة عظمى إذا ترسخت الشكوك حول أنها أمة ضعيفة يمكن أن تجبر على الاستسلام بسبب مجموعة من الانهزاميين المحليين. الحلفاء، أو من يمكن أن يكونوا حلفاء، سيجرون حساباتهم الخاصة، ويتحوطون في رهاناتهم. لماذا علينا أن ندهش لأن ما حدث هو بالضبط ما فعلته باكستان في مواجهة طالبان، ألم تترك الولايات المتحدة ذلك المكان من قبل لمصيره؟.

بقلم- بريت ستيفنز -ترجمة: عصام بيومي