الدنيا حر.. والطقس لفح من شواظ القيظ على نحو غير مسبوق أو يكاد.. وحتى رغم هذا الاحتراز في التقييم على نحو ما تصوره كلمة «يكاد».. فإن سجلات المراصد الجوية وصلت إلى التأكيد على حقيقة واقعة تقول:
ـ إن عام 2010 ـ وبالتحديد صيفه الراهن - هو «أسخن» سنة سجلتها مراصد أحوال الطقس في تاريخ العالم.
وفي تصورنا فالمسألة ليست مجرد طقس شديد الحرارة.. قد يعكر المزاج وقد يقلق الصفو النفسي أو ينال في قليل أو كثير من هناءة العيش أو راحة البال.
إن أجهزة التكييف وسبل التلطيف والترويح والتبريد إلى حد التثليج أمور قد تكفل تزويد البشر بقدر معقول من سبل الراحة المنشودة.
المشكلة إذن لا تقتصر على مجرد شظف العيش بسبب ارتفاع درجة الحرارة.. أو قسوة الشمس في إرسال أشعتها اللاهبة إلى أنحاء كرة الأرض.
المشكلة أعمق بكثير.. لأنها باتت تترجم نفسها وعقابيلها الفادحة على شكل ظواهر بالغة الخطورة، وبصورة لا سبيل إلى إنكارها أو تجاهلها بحال من الأحوال.
فيضانات باكستان
تأمل مثلا ما حدث في الفيضانات المدمرة في باكستان، أو في الانهيارات الأرضية التي طمرت أجساد البشر التعساء في دوامات الطين في الصين، أو في سلاسل الحرائق الغابية والزراعية في روسيا.. دعك عن ظواهر التسونامي الرهيبة التي شهدها قاع المحيط الهندي في جانبيه الشرق ؟ آسيوي منذ سنوات ومازالت تعيش في الذاكرة المعاصرة بل الراهنة.
وإذا كان المجتمع الدولي قد حشد كل ما يسعه من إمكانات لمجابهة كارثة باكستان، سواء على مستوى جهود البنك الدولي أو جهود الأمم المتحدة التي تضم أمانتها العامة جهازا متخصصا يحمل اسم «مكتب تنسيق الشؤون الإنسانية (أوشا)».. إلا أن المسألة ؟ في رأينا لن تظل مقتصرة على أزمات باكستان أو كوارث الصين.
على سبيل المثال سوف تنجم عن حرائق الاتحاد الروسي أزمات متوالية في مجال الحبوب ؟ الغذائية بالذات في العالم، صحيح أن الكرملين الروسي اقتصر في إعلان مشاكله على أزمة القمح الذي ألغى عقود تصديره إلى خارج روسيا.. إلا أن هذه الأزمات، وما يرتبط بها من إجراءات متخذة على مستوى حالات الطوارئ ؟ كفيلة بأن تخفض عرض القمح في سوق الحبوب العالمية.
وبديهي أن انخفاض العرض مع ثبات الطلب يؤدي ؟ حسب قوانين السوق المتعارف عليها ؟ إلى ارتفاع السعر.. ولما كانت أصناف الأقماح هي حلقة في سلسلة الغذاء العالمية، ولما كانت أسعار مثل هذه السلسلة الحيوية.. خاضعة لنظرية الأواني المستطرقة أو حتى لنظرية الدومينو ؟ بمعنى أن بعضها يؤثر تلقائيا في البعض الآخر..
فالحاصل أن بات العالم يتوقع ارتفاعات في أسعار المواد الغذائية الأخرى.. وكله سوف ينعكس سلبا على حياة الفقراء، إن لم ينعكس أيضا على احتياجات الطبقات الوسطى في طول العالم وعرضه.
لا يقتصر الأمر هنا على الضائقة الاقتصادية بل يتعداه بحكم تجارب سبقت إلى حدوث التوترات السياسية التي تمثل باستمرار عنصر الاشتعال أو مفجّر الألغام الاجتماعية الموقوتة التي تجسدها الانقسامات الطبقية أو الطائفية أو المذهبية أو الجهوية ؟ المناطقية وما في حكمها.
حدث منذ عامين
أرأيت إلى أحوال العالم منذ سنتين ليس إلا: ساعتها استمع مزارعون في الغرب ؟ أمريكا الشمالية بالذات ؟ إلى خبراء بلغت بهم رعونة الحماس العلمي المندفع إلى الترويج لحكاية استمداد أو استخراج زيوت الطاقة المحركة - الايثانول بالذات ؟ من أصناف معينة من الحبوب المزروعة.. هكذا بادر المزارعون من منتجي الحبوب الغذائية مثل الذرة أو المزروعات السكرية مثل القصب إلى تحويل مساحات شاسعة من أراضيهم إلى إنتاج أنواع الوقود ؟
العضوي أو الحيوي، البيو- وقود كما يسمونه، بدلا من إنتاج الحبوب الغذائية التي ما لبثت أسعارها أن حلقت إلى عنان السماء بما بلغ وقتها ثلاثة أضعاف أو أكثر بكثير وكان من نتيجتها توترات بل واضطرابات شهدها العديد من البلدان.
ومن هنا نجد من الخبراء والمحللين من بات يحذر بالتالي من أن استمرار الظاهرات المناخية ؟ الطقسية في تلك التحولات التي بتنا نشهدها وتعاني شعوب كثيرة من وطأتها على نحو ما يكابده الناس في باكستان أو الصين أو روسيا أو غيرها، إذ تؤدي هذه التغيرات السلبية بل هي الكارثية إلى فشل إنتاج المحاصيل وخاصة الحبوب الغذائية ولاسيما في أكبر مناطق إنتاجها في أوروبا وأمريكا الشمالية وشرق آسيا.. ومن ثم تصبح النتائج المترتبة من القسوة والفداحة بمكان.
تأملات مفكر كندي
من هنا يحق لأكاديمي ومفكر أن يكتب مؤخرا دراسة بالغة التركيز تحت عنوان لا تخطئه الأسماع أو الأفهام وهو:
كارثة عند قمة العالم
اسمه توماس «هومر ديكسون» وهو أستاذ النظم العالمية في كلية الشؤون الدولية بالجامعة الكندية.. نلاحظ أن الرجل لم يدل بآرائه من غرفة مكتبه العامرة بداهة بصفوف المراجع والمؤلفات.. ولكنه كتب مقالته من فوق متن سفينة كانت تمضي به كي تشق طريقها بوصفها جزءا من أسطول خفر السواحل الكندي.
السفينة تحمل اسم «سان لوران» وهي كاسحة ثلوج مكلفة باستكشاف وحراسة مناطق القطب الشمالي من الكرة الأرضية وهو ما يعنيه الأستاذ هومر ؟ ديكسون بقمة العالم.. بمعنى أعلى وأبعد نقطة إلى الشمال من كرة الأرض.
من هنالك يدلي الأكاديمي الكندي بشهادته (نيويورك تايمز، 22 أغسطس 2010) فيقول:
ـ من موقعي على ظهر السفينة أستطيع أن أرصد قرائن حيوية بحق تشهد بظاهرة (أو آفة) تغير المناخ.
ثم يسهب في معرض التفسير قائلا:
ـ إن القنوات التي كانت تخنقها جبال الجليد عند خليج كندا القطبي منذ عقدين من الزمن في مثل هذا الوقت من السنة، تحولت الآن لتصبح مجرد مساحات تنداح فيها المياه أو من أشباه الجزر الصغيرة التي تتألف من الثلج المنصهر المذاب.
والسبب ؟ يقول الأستاذ الكندي ؟ أن القارة القطبية باتت تتعرض لارتفاع درجة الحرارة بمقدار الضعفين على نحو ما يحدث للكرة الأرضية بأسرها، ومن ثم فقد شهد الصيف الحالي، وهو قائظ بشكل غير مسبوق في التاريخ، ذوبانا للكتل الجليدية المحيطة بكرة الأرض كانت حارسا أمينا على اعتدال أجوائها.
وربما زاد الأحوال سوءًا أن جاءت الأزمة الاقتصادية منذ عامين أو نحوهما فإذا بها تدفع أزمة المناخ العولمي أو الكوكبي إلى مرتبة ثانية أو ثانوية من الاهتمام والتركيز بعد أن كان العالم قد أحلّها في مرتبة الأولوية من شواغل المجتمع الدولي.
أزمة المناخ
ثم زاد الأوضاع تفاقما ما يذهب إليه الباحث الكندي أيضا بأن أزمة المناخ صعبة الفهم والاستيعاب ومن ثم يصعب الاستعداد لمواجهتها.. فالناس، كما يقول، على غير استعداد كي يغيروا أساليب حياتهم، أو يتخلوا عما ألفوه وتعودوا عليه من طرائق المعيشة.. والتغيير هنا ليس شعارا سياسيا ولا هو حتى من مطالب الديمقراطية على نحو ما بات يتردد في أصقاع شتى من عالمنا..
عن حق أو عن منطق خطابي أو شعبوي.. ولكن التغيير هو أن يدرك الناس من سكان عالمنا أن أساليب الترف المسرف والاستهلاك الكمالي إلى حد الإهدار أو الاهتلاك للموارد الطبيعية وفي مقدمتها مثلا المياه.. أو الطاقة أو النبات لم تعد تتفق مع ما آلت إليه أحوال الكرة الأرضية من تغيرات في المناخ ولا في البيئات الطبيعية ولا في حجم الموارد المتاحة.. فما بالك وقد أضحى الناس يعيشون بداهة في مجرد قرية عالمية (غلوبالية كما قد يسمونها).. حيث لا عزلة لمنطقة عن أخرى..
وحيث أقاليم الكرة الأرضية ؟ أحياء القرية المذكورة إن شئت - يتواصل بعضها مع بعض ويتأثر بعضها عضويا ببعض لا بفضل تكنولوجيا المعلومات والاتصالات.. تكنولوجيا الآي سي كما أصبحت تسمى.. بل بحكم ما آلت إليه قوانين الحركة الطبيعية من حيث التواصل والتداخل والتأثير المتبادل. في هذا السياق بالذات تنبهنا الدراسة الكندية التي نحيل إليها في هذه السطور قائلة:
من الشمال إلى الجنوب
ـ إن الخبراء تساورهم شواغل ؟ أو مخاوف - بأن الأنماط الجديدة التي بتنا نرصدها من حركة الهواء في منطقة القطب المتجمد الشمالي من الكرة الأرضية يمكن أن تعوق حركة التيارات الباردة الوافدة من شمال العالم، وهو أمر كفيل ؟ في رأي هؤلاء الخبراء ؟ بأن يغير مسارات العواصف والأعاصير وأنماط سقوط الأمطار ومن ثم أساليب ومحصلات إنتاج الأغذية في مناطق أبعد مسافة تصل إلى أقاليم الجنوب من عالمنا.
يطالبنا صاحب الدراسة بأن نكون نحن البشر على استعداد لمجابهة مثل هذه النوازل وحالات الطوارئ.. وعلى اختلاف الأقطار والنظم السياسية.
ثم يضيف معلومة نراها مهمة في هذا السياق ومؤداها أن ثمة جهودا تبذل ودراسات توضع من جانب مؤسسات البحوث ووكالات الاستخبارات في أمريكا وأوروبا.. وفي مقدمتها ؟ كما يضيف البروفيسور هومر ديكسون دراسة يصفها بأنها «ممتازة» وقد وضعتها كلية كينيدي لأصول الحكم في جامعة هارفارد بالولايات المتحدة تحت عنوان بالغ الدلالة وهو:
الاستجابة (بمعنى التصدي) إزاء الكوارث الجسيمة التي تحدث نتيجة تغير المناخ (ميجا كوارث كما تسميها الدراسة).
مثل هذه الخطط تحمل الرمز «ياء» وتحوي سيناريوهات أو تصورات شتى لما يحتمل أن تواجهه البشرية من صدمات مناخية تنجم عنها توترات أو حالات كارثية تقع في هذه القارة أو تلك، وقد يتناقض حدوثها ما بين فيضانات سيل منهمر في بلد إلى حالات جفاف بالغة القسوة قد تؤدي إلى توترات اجتماعية على نحو ما حدث في سهول شمالي الصين.
ومن هذه الخطط المدروسة في أروقة الغرب الأوروبي ؟ الأميركي.. العلنية والسرية ما يصل إلى دراسة خيارات محورية من قبيل حقن أملاح «السلفيت» الكبريتية في ثنايا الطبقات العليا من الغلاف الجوي.. وهو خيار بالغ الأهمية إلى حد الخطورة ؟
وتحدق به أسئلة مطروحة من قبيل: من يتخذ مثل هذا القرار الخطير؟ ومن يتولى تنفيذه؟ وماذا عساها تكون الآثار المترتبة عليه لاسيما إذا ما تم التنفيذ على صعيد مساحات بالغة الاتساع من الأقاليم والقارات؟
أخيرا يستسلم الأكاديمي الكندي لتأملاته من فوق ظهر السفينة القطبية قائلا:
ـ إن هذه المنطقة ظلت هامشية من حيث اهتمام العالم بها .. ولكن قد تكون هي نقطة البدء في صدمة مناخية يمكن أن يكون لها دور مركزي في تطور حضارة الإنسان.
تأملات موجعة على متن سفينة قطبية
جاء حدوث الأزمات والكوارث الطبيعية في أنحاء شتى من العالم.. وأخرها ما شهدته باكستان والصين من فيضانات عاتية وانهيالات في الكتل الطينية من التربة بمثابة نذير جديد ينّبه العالم إلى ما يترتب من آثار فادحة نتيجة ما يطرأ من تغيرات المناخ.. ثم جاءت موجة الحرارة اللاهبة التي ارتفعت هذا العام إلى مستويات لم يسبق تسجيلها لتؤدي إلى إشعال سلاسل الحرائق في روسيا بكل ما أدى إليه ذلك من تدمير زراعات القمح الروسي ؟
الأمر الذي أدى إلى وقف صادراته إلى الخارج ومن ثم إلى ارتفاع أسعاره نتيجة قلة العرض وثبات أو اطراد الطلب، وهو أمر كفيل بدوره بأن ترتفع معه أسعار سائر المواد التي تشكل فيما بينها سلسلة الغذاء، على نحو ما حدث من ارتفاع أسعار الأغذية منذ سنتين في غمار ما رشح من أخبار عن ارتفاع أسعار الطاقة.
في هذا الخصوص يرصد أكاديمي كندي متخصص تأملاته من فوق سطح سفينة كانت تبحر في مناطق القطب الشمالي، فكان أن سجل تحذيراته من أن الانصهارات التي تعرضت لها جبال الكتل الجليدية في الشمال أدت إلى ارتفاعات درجة حرارة الكوكب، فيما يمكن أن تنجم عنها ظواهر مناخية سلبية تتجسد في خلل أنماط السقوط المطري والتسبب في حالات جفاف أو فيضان..
وهو ما ينّبه إلى أهمية وضع خطط طوارئ تحسبا لتلك الاحتمالات.. وهو أيضا ما تعكف عليه حاليا ؟ على نحو ما يذكر الأكاديمي الكندي - معاهد بحوث وأجهزة استخبارات في أوروبا وفي أمريكا.
ما يحدث من كوارث طبيعية الآن في وقتنا الحاضر أصبح يشكل هاجسا كبيرا لدى جميع دول العالم بلا استثناء، ولا يمكن القول أن هناك دولة أو منطقة في العالم بمأمن من الكوارث الطبيعية بمختلف أنواعها، فمن هو بعيد عن الجفاف ليس بعيدا عن الفيضانات.
ومن هو بعيد عن الاثنين ليس بمأمن من الزلازل، وغضب البراكين أصبح أكثر تأثيرا وأضرارا من ذي قبل، وكلنا شاهدنا كيف كان تأثير بركان أيسلندا على حركة الطيران العالمية، وكم من الخسائر المادية سببها لمعظم شركات الطيران في العالم.
الكرة الارضية ليست بكبيرة بالمقارنة بالأجسام الأخرى في الكون، بل هي من أصغرها على الإطلاق، وأية كارثة طبيعية على الأرض يمتد تأثيرها لمساحات ودول كثيرة، والاحتباس الحراري تأثيره يشمل كل أنحاء العالم، حتى البحار والمحيطات.
لهذا أصبح الاهتمام بالطبيعة أمرا حتميا، وليس قاصرا فقط على الجهات العلمية المتخصصة بل أصبح مسؤولية الحكومات وكافة أجهزتها، حتى أجهزة المخابرات نفسها.
محمد الخولي
