يمكن القول إن ما سنتناوله بالعرض ليس مجرد كتاب، إنه أكثر من ذلك بكثير، انه نظرية سياسية متكاملة وخطة استراتيجية لدولة إقليمية بارزة.هذا وصف سريع ودقيق لكتاب «العمق الاستراتيجي- المكانة الدولية لتركيا» لمؤلفه، وزير الخارجية التركي د.أحمد داود أوغلو، والذي سترى نسخته العربية النور في غضون فترة قريبة.

وتسعى «البيان» الى تقديم قراءة موسعة وشاملة للكتاب، نقلا عن نسخته التركية التي صدرت للمرة الأولى في العام 2001، وشكلت، مع تولي حزب العدالة والتنمية الحكم في تركيا بعد وقت قصير من ذلك، الفلسفة الاساسية التي تقوم عليها السياسة الخارجية التركية.

وباختصار مكثف، يمكن القول إن هذا هو لب تفكير أحمد داود أوغلو.

باتت تركيا غريبة عن ثقافة المنطقة وسياستها وتوازناتها الداخلية، بل وانسلخت عنها، وأدى هذا الأمر بتركيا إلى فقدان القدرة على التقاط إيقاع المتغيرات الجارية في المنطقة، واستقرت هذه الرؤية التي تكونت وفقاً للصورة المرسومة للعرب داخل مركز صناعة السياسة الخارجية التركية.

على الطرف المقابل، بدت تركيا بالنسبة للنخب العربية، باعتبارها جدارا بين العرب والغرب، وسبباً في تخلف العرب عن اللحاق بركب الحداثة، وأصبح الابتعاد عن التأثير التركي نوعاً من التوكيد على الذات.

وأدت هذه التراكمات النفسية السلبية لدى الطرفين، الى نشوء مرحلة من القطيعة والتوجس، ما حال دون تطوير علاقة عقلانية بين العرب والاتراك، واذا كان البناء على السلوكيات النابعة من ردود الأفعال النفسية مقبولا من جانب بعض الدول التي لا تمتلك رصيداً من التجربة والخبرة، الا أن دولة مثل تركيا، ذات ميراث تاريخي أقام هيمنة مطلقة في المنطقة دامت لمدة تقترب من الأربعة قرون، يتعين عليها تجاوز هذه العقبات، وتطوير نمط معالجة استراتيجية تُمكنها من فهم المنطقة بكامل عناصرها، وتحليلها وتوجيهها والإحاطة الشاملة بمفرداتها.

ويستعرض الكاتب ملامح تحسن العلاقات التركية العربية في السبعينات والثمانينات، وبناء مجالات مصالح مشتركة من خلال روابط اقتصادية مكثفة، حيث طورت تركيا علاقاتها مع دول عربية مهمة، مثل: العراق ومصر والمملكة العربية السعودية، ما شكل ميلاد سياسة تركية جديدة في الشرق الأوسط، ولعلها أيضاً السياسة الأبرز والأكثر فاعلية لتركيا في المنطقة بعد انسحابها منها في الحرب العالمية الأولى.

لكن الشرق الأوسط شهد، مع مطلع عقد التسعينات، ثلاثة تطورات مهمة أدت إلى تغيير التوجه التركي، وهي انتهاء الحرب الإيرانية العراقية العام 1988، ونشوب حرب الخليج الاولى العام 1991، وعملية السلام العربي الاسرائيلي في العام 1991.

وأفرزت حرب الخليج 1991 تأثيرات مهمة على العلاقات بين سياسات تركيا الإقليمية والدول العربية، ودفعت بالتأثير المتبادل بين التوازنات الدولية والتوازنات الإقليمية إلى مستوى غير مسبوق، كما عملت على تقليص مساحة المناورة الإقليمية لدى الدول، وفي مقدمها تركيا، التي شعرت بضرورة متابعة التوازنات الدولية على نحو دقيق.

وأدى إغلاق تركيا خط الأنابيب النفطية العراقي التركي، من تلقاء نفسها، وتبنيها خطاباً هجومياً شديد اللهجة ضد العراق مع فتحها قاعدة إنجيرلك للعمليات العسكرية الاميركية، إلى استحضار صورة تركيا الخمسينات، الحليفة للقوى الغربية، بل إن الدول العربية استشعرت القلق من الموقف التركي، على رغم انزعاجها من التهديد الذي شكله لها العراق.

كما ان حالة انعدام الأمن المتبادل التي تفاقمت في شمال العراق وجنوب تركيا بعد الحرب، وخطورة تحول شماله إلى منطقة فراغ، وتحول الحدود التركية العراقية إلى خط مواجهة بالنسبة لتركيا، ليس فقط من حيث الأمن الخارجي، بل أيضاً من حيث الأمن الداخلي..

أدى كل ذلك الى تدخلات عسكرية تركية في شمال العراق، وهو ما أسفر عن ردود فعل مضادة من قبل الدول العربية، كما أسفرت العمليات العسكرية التي انطلقت من إنجيرلك عن تصعيد التوتر بين تركيا والدول العربية، وهو ما يعني أن تركيا قد اضطرت لتحمل فاتورة الغموض الإقليمي بين القانون الدولي والمعيار الجيوسياسي الواقعي. ولعبت كل من مسألة المياه ومشكلة الأمن الداخلي المتصاعدة التي تعرضت لها تركيا، أدواراً في تصعيد صِدام المصالح بين تركيا والعالم العربي.

سلام بتأثير سلبي

كما أثرت عملية السلام في الشرق الأوسط، التي بدأت في ظل هذه الأجواء، تأثيراً سلبياً على العلاقات التركية ألاالعربية، فلم تتبوأ تركيا موقعاً ما في مركز عملية السلام، ولم تدع بصفتها عضواً فاعلاً إلى اجتماعات عملية السلام المتعلقة بالمجال الاقتصادي، ما تسبب في ضعف تأثير تركيا في المنطقة.

وبدلاً من أن تتجه تركيا نحو مشروعات من شأنها الإحاطة بالمنطقة كلها على نحو يعالج ذلك الضعف، إذا بها تدخل في علاقات مكثفة مع إسرائيل، وطفا على السطح تدهور غير معلن في العلاقات التركية ألاالعربية.

بدأت علاقات تركيا مع إسرائيل بمبررات تكتيكية، تتعلق بمسائل أمنية مشتركة، وبمرور الوقت، نظرت الدول العربية إلى هذه العلاقات باعتبارها اتفاقاً استراتيجياً. وقد أدى رفع مستوى العلاقات التركية الإسرائيلية في موازاة انتشار سيناريوهات حول إقامة محور تركي ألاإسرائيليألاأردني بدعم أميركي إلى توفير فرصة لإثارة الرأي العام العربي.

وبعد أن كانت الأقطار العربية، مهددة، طبقا للمنظار العربي، في الخمسينات من التحركات الاستعمارية الغربية، وفي الستينات والسبعينات من إسرائيل، وفي الثمانينات من إيران، باتت في منتصف التسعينات عرضة لمخاطر وتهديدات تركية، وهو ما انعكس على اجتماع القمة العربية في 1996.

وبعد هذا الاستعراض الفكري والتاريخي، ينتقل الكتاب الى استعراض قضايا الشرق الأوسط والسياسة التركية إزاءها، بشكل تفصيلي. وفي هذا الفصل يُقَيم السياسة التركية تجاه الشرق الأوسط بقوله إن تركيا «فقدت الأحزمة الاستراتيجية الأكثر قوة في منطقة الشرق الأوسط في الربع الأول من القرن العشرين وعاشت بعيدة عن المنطقة بشكل عام في ربعيه الثاني والثالث، وطورت سلسلة علاقات متأرجحة بين صعود وهبوط مع دول المنطقة خلال الربع الأخير من القرن نفسه، وهي اليوم مضطرة لأن تعيد تقييم علاقاتها مع المنطقة من جديد بشكل جذري».

كما يؤكد أوغلو ضرورة أن تعنى تركيا أولا وقبل أي شيء، بتطوير وجهة نظرها على نحو يجعلها قادرة على التحسس المستمر لنبض العالم العربي، وتلمس إيقاع التغير الاجتماعي والثقافي والسياسي الذي يجري داخل مجتمعاته.

وفي الشأن الكردي المزمن في المنطقة عموما، وتركيا على وجه خاص، يعتقد د. أوغلو ان الحل الشامل لهذه المشكلة يجب ان يراعي مبدأين اثنين، هما:

أولا: تقوية المشاعر الاجتماعية.

ثانيا: ضمان حق المساواة للمواطنين، دون الشعور بالحاجة إلى تدخل أي قوى خارجية.

مثلثات توازن

كما يعتقد ان التوازن في المنطقة ينبغي ان يتم من خلال توازن الاطراف الخارجية للمثلث الاستراتيجي الحساس، وهو تركيا ومصر وايران، مع الاطراف الداخلية فيه، وهي: العراق والسعودية وسوريا، فضلا عن النظر بعين الاعتبار أيضا إلى مثلث أصغر ظل مهملا في هذه التوازنات، وهو مثلث: الأردن - فلسطين - لبنان بالإضافة إلى شمال العراق أخيراً الذي يرتبط بعلاقة مباشرة بإسرائيل.

ألااما في الشأن الفلسطيني فيرى د. أوغلوألا أن تركيا «يمكن لها أن تضطلع بدور دبلوماسي فعال بما تملكه من وضعية متميزة، حيث انها دولة مسلمة غير عربية، وهي أيضا دولة في المنطقة مرشحة لعضوية الاتحاد الأوروبي.

وهي أيضا عضو في حلف الناتو تتمتع بعلاقات استراتيجية قوية مع الولايات المتحدة الأميركية. فإن حجم العلاقات التي يمكن لتركيا تفعيلها في هذا الإطار مع منظمة المؤتمر الإسلامي، ومع الاتحاد الأوروبي، والولايات المتحدة، إضافة إلى ما تمتلكه تركيا من تراث تاريخي لمدينة القدس ووثائقها الأرشيفية، لهما كفيلان بإكساب تركيا وضعية دبلوماسية مهمة».

وفي معرض تحليله للعلاقات التركية الإسرائيلية، توصل د. داود أوغلو الى حقيقة مفادها انه وعلى رغم أهمية ومحورية تركيا كدولة مهمة في المنطقة بعمقها التاريخي والجغرافي الا انها لم تؤد دورا مهما في عملية سلام بالشرق الأوسط، بل بدت وكأنها عنصرا مهملا مهمشا فيها.

العلاقة مع إيران

وفي الشأن الايراني يرى ان موقع تركيا وايران في غرب آسيا يحتم على كل منهما تطوير سياسات تراعي فيها كل دولة منهما الأخرى في السياسات المعنية بمناطق الشرق الأوسط والقوقاز وآسيا الوسطى، وفي ساحات التأثير المتبادل بين هذه المناطق، التي تربط بين الدولتين.

الوضع الأوروآسيوي

ويخصص أوغلو الفصل الرابع لمنطقة آسيا الوسطى في ظل توازن القوى الأوروآسيوية، ويشرح العوامل المؤثرة في الوضع الدولي لآسيا الوسطى ولعمليات التحول في آسيا الوسطى في مرحلة ما بعد الاتحاد السوفييتي، كما يسهب في الحديث عن آسيا الوسطى وتوازن القوى الدولية في مرحلة ما بعد الحرب الباردة، وعن السياسة الخارجية التركية في آسيا الوسطى.

وفي الفصل الخامس والاخير، يحلل د. داود أوغلو علاقة تركيا بالاتحاد الأوروبي وهي علاقة متعددة الأبعاد والمستويات، فيتحدث عن مستوى العلاقات الدبلوماسية السياسية، وعن مستوى التحليل الاقتصادي الاجتماعي وعن مستوى التحليل القانوني، ومستوى التحليل الاستراتيجي، وأخيراً مستوى التحول الحضاري والثقافي.

ويدعو د. داود أوغلو تركيا إلى أن تقيم علاقاتها وتجربتها المتراكمة بطريقة بعيدة عن الهواجس الآيديولوجية لتحدد بعقلانية العناصر الأساسية في علاقتها مع العالم الإسلامي.

ويقول ان «تركيا اليوم ليست الدولة العثمانية التي تحمل على عاتقها مسؤولية العالم الإسلامي كله، كما أنها ليست في مواجهة تصفية حسابات مع القوى العظمى نتيجة ارتباطاتها بعلاقات مع المجتمعات الإسلامية، ولذلك فإن ردود الأفعال ذات البعد النفسي لن تتوقف عند التأثير في علاقات تركيا مع العالم الإسلامي بشكل سلبي فحسب، بل ستتعدى كذلك إلى تضييق ساحة مناورة تركيا الدبلوماسية في العمق الآسيوي والإفريقي كذلك».

وفي كتابه، يضرب د. داود أوغلو امثلة على تأثير العوامل الجيواستراتيجية في صناعة الدول وصياغة قراراتها، ويركز معظم الأمثلة على تركيا، واصفا اياها بالدولة المركزية.

الحلقة 2

المؤلف: د. أحمد داود أوغلو

الناشر: الدار العربية للعلوم ومركز الجزيرة للدراسات

عرض وإعداد: كامل عبدالله

عدد صفحات الكتاب: 600

ترجمة: محمد ثلجي وطارق عبد الجليل

مراجعة: د. بشير نافع وبرهان أوغلو