لماذا لا يتحرك العالم بالشكل المرجو لمساعدة باكستان على تجاوز الأزمة، التي خلفتها الفيضانات الأخيرة؟ فالملايين من الباكستانيين في عداد المشردين الآن، كما أن هناك نقصاً حاداً في إمدادات الطعام.
وهناك مخاوف من انتشار الأوبئة، لكن، رغم هذا، فالعالم لا يبدي رغبة جادة في مد يد العون لباكستان، فهل السبب يعود في ذلك، كما قال سفير باكستان الدائم لدى الأمم المتحدة، إلى تصريحات رئيس الوزراء البريطاني ديفيد كاميرون واتهامه لباكستان بدعمها وإيوائها للإرهاب؟ أم هل أن المجتمع الدولي، وتحديداً أوروبا، لا يبدي اهتماماً بدولة عاجزة عن الاهتمام بنفسها؟
لا شك في أن العديد من الناس ليسوا سعداء بالطريقة التي اختارت بها باكستان محاربة الإرهاب، أو بالطريقة التي تدير بها شؤونها الداخلية، حيث يتولد انطباع عام لديهم بأن الحكومة لا تكترث بشؤون الناس ومشكلاتهم، لكن عند وقوع الكوارث، فينبغي التسامي، والإسراع في المساعدة.
قد يكون ديفيد كاميرون محقاً في بعض ما قاله بحق باكستان، في أن بعض المسؤولين في الجيش والحكومة الباكستانية يدعمون المتشددين، لكن اختياره للمكان ليقول ما قاله لم يكن موفقاً، إذ كان يجدر به أن يضغط على إسلام أباد من خلال جلسة مغلقة مع المسؤولين الباكستانيين في العاصمة الباكستانية، لكنه يبدو من خلال ما فعله أنه أضر بمصالح الناس العاديين في باكستان، أكثر من إضراره بالمؤسسة العسكرية الباكستانية.
حيث إن من المتوقع أن يؤثر ذلك سلباً في تدفق المساعدات الخارجية لضحايا الفيضانات، كما أن اليمين المتشدد في باكستان سيحاول أن يحشد الرأي العام الباكستاني ضد بريطانيا، ويحاول أن يصم بالسوء كل ما يصدر عنها، بما في ذلك المعونات البريطانية الخيرية، حتى أن حكيم الله محسود، زعيم طالبان، و«تحريق طالبان ؟باكستان» طلبا من الحكومة الباكستانية عدم قبول أية مساعدات أميركية، وعرضا على الحكومة 17 مليون دولار أميركي، ورغم أن طالبان قد لا تمتلك هذا المبلغ، لكنها محاولة منها لاستغلال الكارثة، من أجل كسب ود الشعب ودعمه.
كما تحاول الجماعات المتشددة ملء الفراغ الذي تركته الدولة الباكستانية في الكثير من المناطق المنكوبة، مثل الحزام القبلي والمناطق الشمالية من البلاد، ونجحت جهودها في إيصال رسالة واضحة للناس، حيث إن أعضاءها أنقذوا الملايين من المشردين، الذين عجزت الدولة الباكستانية عن الوصول إليهم، وكانت الرسالة فعالة نظراً لحالة اليأس التي أصابت المتضررين من الفيضانات جراء الجوع والمرض والبرد، أما الجهاز الحكومي، فقد عجز عن أن يصل إلى الكثير من المناطق المتضررة لقصور المعدات اللوجستية اللازمة لذلك لديه، وقصور بنيته التحتية.
لا يمكن للمجتمع الليبرالي المدني في باكستان، والعالم بشكل عام، أن يقبل خسارة معركة لا تتعلق فقط بإنقاذ دولة، وإنما إنقاذ روح باكستان الليبرالية، كما تصورها الأب المؤسس لباكستان محمد علي جناح.
والذي كان يتمتع برؤية عصرية غربية للأمور، وكان يحب الإنجليز، كما يحبهم الكثير من الباكستانيين، الذين يحلمون بقيام باكستان الليبرالية، وهذا لا يتعلق فقط بنمط العيش الظاهري، بل يذهب إلى أبعد من ذلك ليطال المبادئ والقيم الجوهرية.
مثل كل الباكستانيين الآخرين أجد نفسي ملزمة بالتأكيد للباكستانيين على الحاجة لقتال المتشددين والإرهابيين، الذين يسببون المشكلات لنا وللدول الأخرى، بما في ذلك بريطانيا، وهناك الملايين من الباكستانيين العاديين، الذين شجبوا أحداث 11 سبتمبر أو أحداث 7 يوليو، غير أن الصوت الليبرالي خفت بسبب أولئك الذين يؤمنون أن بريطانيا والولايات المتحدة تعملان ضد باكستان بدوافع إيديولوجية.
أنا من جيل تربى على قراءة روايات تشارلز ديكنز وجين أوستين وتوماس هاردي، ومن الصعب علي أن أتخيل أنني سأنقطع عن زيارة بريطانيا، لأن في ذلك، بالنسبة لي، انقطاعاً عن إرثي الثقافي، لكني أرى أن هناك العديد من الباكستانيين بدؤوا يعيدون النظر في زيارتهم لبريطانيا، لأسباب منها أن العلاج الذي تلقاه الكثير من الباكستانيين في مقر المفوضية العليا في إسلام أباد، أو في بريطانيا كان أسوأ بكثير من العلاج الذي تم تقديمه من جانب الهيئة الدبلوماسية الأميركية.
كما أن أميركا بذلت جهوداً كبيرة جديرة بالثناء في عمليات الإغاثة، حيث إنها قدمت الكثير من الدعم، ونشرت الكثير من الهليكوبترات لإغاثة المتضررين، لهذا ينبغي على بريطانيا، إذا كانت تؤمن بوجود إرهاب في باكستان، أن تسارع لحل الموقف بالوسائل الأخرى، وأن تضغط على القيادة الباكستانية لكي تستجيب لمطالب الناس وتسعى لتحقيق احتياجاتهم.
بقلم: عائشة صديقة - مؤلفة كتاب «المؤسسة الباكستانية»
