يمكن القول إن ما سنتناوله بالعرض ليس مجرد كتاب، إنه أكثر من ذلك بكثير، انه نظرية سياسية متكاملة وخطة استراتيجية لدولة إقليمية بارزة.
هذا وصف سريع ودقيق لكتاب «العمق الاستراتيجي- المكانة الدولية لتركيا» لمؤلفه، وزير الخارجية التركي د.أحمد داود أوغلو، والذي سترى نسخته العربية النور في غضون فترة قريبة. وتسعى «البيان» الى تقديم قراءة موسعة وشاملة للكتاب، نقلا عن نسخته التركية التي صدرت للمرة الأولى في العام 2001، وشكلت، مع تولي حزب العدالة والتنمية الحكم في تركيا بعد وقت قصير من ذلك، الفلسفة الاساسية التي تقوم عليها السياسة الخارجية التركية.وباختصار مكثف، يمكن القول إن هذا هو لب تفكير أحمد داود أوغلو.
قبل أن يشرع د. أحمد داود أوغلو في نشر نظريته في العمق الاستراتيجي انتقد بعمق أهم نظريات الفكر الغربي المعاصر، وركز انتقاداته على نظريتي: صدام الحضارات، ونهاية التاريخ، كما انتقد كل نظريات النهاية التي أنتجها الفكر الغربي خلال القرن الماضي نهاية الدين ونهاية الايدولوجيا.
وخلال صوغه نظريته في العلاقات الدولية انطلق د. داود أوغلو من «رؤية معرفية إسلامية للعالم» وطبقا لنظريته في «التحول الحضاري» فإن المرحلة الراهنة من تاريخ العلاقات الدولية تشهد منازعة بين أكثر من مركز أو محور حضاري باتجاه نظام عالمي جديد مؤكدا حضور العالم الإسلامي في خضم هذه المنازعة، راسما خريطة طريق من أربع مراحل، قطع المحور الإسلامي منها ثلاثة، ودخل في الرابعة:
الأولى: مرحلة الخضوع للنزعة الاستعمارية.
الثانية: مرحلة تحدي الهوية بعد سقوط الخلافة العثمانية إلى قيام ثورات التحرر من الاستعمار.
الثالثة: مرحلة نشأة دول ما بعد الاستعمار وسيطرة النخب المتغربة عليها.
الرابعة: مرحلة تجدد الإدراك الذاتي الإسلامي وتخلصه تدريجيا من عقدة الدونية التي سيطرت على الذهنية المسلمة إبان الحقبة الاستعمارية.
ويضرب مثالا على ذلك بخروج تركيا في منتصف الثمانينيات من سياسة الانكفاء على الذات، والعزلة عن محيطها الاستراتيجي الإسلامي، إلى الفضاء الإقليمي والعالمي الواسع، والقبول المتنامي لهذا التوجه في السياسة الداخلية التركية.
العمق الاستراتيجي
منذ جاء حزب العدالة والتنمية إلى السلطة، والسياسة الخارجية التركية تعيش حالة من الحركة والنشاط، حيث يجري التحول إلى حد كبير من الدور السلبي وأحادي الأبعاد إلى دبلوماسية ديناميكية ومتعددة الأوجه.
كان أول اعلان من أحمد داود أوغلو عن هذه النظرية في كلمات موجزة ضمنها أول تصريح له عقب توليه حقيبة الخارجية في الأول من مايو 2009 بقوله إن تركيا لديها الآن رؤية سياسة خارجية قوية نحو الشرق الأوسط والبلقان ومنطقة القوقاز، وسنسعى لدور إقليمي أكبر، ولم نعد بلد رد فعل.
بهذه الكلمات المقتضبة دشن الوزير التركي الجديد حقبة سياسية جديدة كليا في تاريخ بلاده وسياساتها الخارجية وعلاقاتها الدولية والإقليمية، وخلاصتها تتمثل في إخراج تركيا من بلد طرفي أو هامشي يقتصر في كونها عضوا في محاور وعداوات، إلى بلد مركز على مقربة واحدة من الجميع، وفي الوقت نفسه إلى بلد ذي دور فاعل ومبادر في كل القضايا الإقليمية والدولية.
تتمحور الفكرة الأساسية للكتاب في أنّ قيمة ومكانة أية دولة تنبع من موقعها الجيواستراتيجي وعمقها التاريخي.
يتناول الباب الأول المفاهيم التي تقوم عليها النظرية، ويعرض من خلال ثلاثة فصول، مقاييس القوة والتخطيط الاستراتيجي، وشرحا لمعادلة القوة وعناصرها الثابتة والمتغيرة، والعنصر البشري وتأثيره البالغ في صنع الاستراتيجية، بينما يقدم الفصل الثاني إعادة تحليل لعناصر القوة التركية، وبيانا لأوجه قصور النظرية الاستراتيجية التركية والنتائج المترتبة عليها، أما الفصل الأخير فيعرض للإرث التاريخي والبنية التحتية للثقافة السياسية التركية، وتطوراتها بعد انتهاء الحرب الباردة.
اما الباب الثاني الذي يحمل عنوان: «الإطار النظري: الاستراتيجية المرحلية والسياسات المرتبطة بالمناطق الجغرافية» فيشرح من خلال فصوله الاربعة نظرية العمق الاستراتيجي وعناصرها، مع التركيز على العمق الاستراتيجي التركي في المناطق التي ترتبط مع تركيا جغرافيا.
ومن خلال دراسة تمهيدية في الفصل الأول تشرح النظريات الجيوبوليتيكية والاستراتيجيات العالمية في فترة ما بعد الحرب الباردة، وأهمية استيعاب العامل المكاني، والمحددات الجغرافية التي تواجهها أية دولة، يخلص د. أوغلو الى تحليل الضرورات التاريخية وعناصر الاستراتيجيات البرية والبحرية لبلاده في ما يتعلق بالمناطق البرية القريبة، مثل البلقان والشرق الأوسط والقوقاز، والأحواض البحرية القريبة مثل البحر الأسود وشرق المتوسط والخليج العربي وبحر قزوين، واخيرا المناطق القارّية القريبة مثل أوروبا وشمال أفريقيا وجنوب ووسط وشرق آسيا.
وفي الباب الثالث والذي يشغل القسم الأكبر من الكتاب، يتكلم الدكتور داود أوغلو، ومن خلال خمسة فصول، عن الوسائل الاستراتيجية والسياسات الإقليمية التي رأى أنها ستحقق لبلاده مكانتها المرموقة في الساحة الدولية.
ويتحدث الفصل الأول عن الارتباطات الاستراتيجية لتركيا وهي، أولا: تركيا والمحور الأطلسي في إطار المهمة الجديدة لحلف شمال الأطلسي. وثانيا: منظمة الأمن والتعاون الأوروبي. وثالثاً: منظمة المؤتمر الإسلامي باعتبارها خط التأثير الجيوسياسي والجيوثقافي بين إفريقيا وآسيا. ورابعاً: منظمة التعاون الاقتصادي كونها العمق الآسيوي لتركيا، خامساً: منظمة التعاون الاقتصادي لحوض البحر الأسود، سادساً: مجموعة الدول النامية الثمانية والعلاقات الآسيوية الأفريقية، سابعاً: الاقتصاد السياسي الدولي ومجموعة الدول العشرين.
اما الفصل الثاني فيخصصه لمنطقة البلقان، ويستعرض التناقضات الدولية والتوازنات الداخلية في مرحلة ما بعد الحرب الباردة
كما يعرض لأزمة البوسنة واتفاقية دايتون وتدخل حلف شمال الأطلسي ومستقبل كوسوفو، ويشرح أخيراً أسس السياسة التركية تجاه البلقان.
العلاقات العربية التركية
وفي الفصل الثالث الذي يقترب من ربع حجم الكتاب بأكمله يصف الدكتور داود أوغلو الشرق الأوسط بأنه مفتاح التوازنات الاقتصادية السياسية والاستراتيجية، وفيه يتصدى للعوامل المؤثرة على الوضع الدولي للشرق الأوسط و لقضية التوازنات الداخلية في الشرق الأوسط وللديناميكيات الأساسية لتركيا في سياستها الشرق أوسطية.
كمدخل يسبق حديثه عن العلاقات العربية التركية يستعرض داود أوغلو الاسس الثقافية والحضارية لتلك العلاقات تواصلا وانقطاعا، موضحا ان الإسلام وفر الأساس الحضاري للأبنية السياسية الضخمة، التي أقامها الأتراك في ما بعد، وتمثلت في الدولتين السلجوقية والعثمانية، وكانت التراكمات الثقافية التي وضعها العرب خلال العهدين الأموي والعباسي قد انتقلت إلى بنية هذه الحضارة.
كما ان ديناميكية الأتراك السياسية والعسكرية، ومهاراتهم التنظيمية بعمقها الآسيوي، أثرت في العالم العربي كله. وقد رفد هذا التأثير المتبادل، النسيج الثقافي السياسي للدولة العثمانية، وها هي عواصم الجغرافيا العربية اليوم، مثل القاهرة ودمشق وبغداد، تضم الآثار العثمانية. وفي المقابل، نجد أن فن الخط الذي بلغ قمته في إسطنبول هو شكل أنيق لفن الخط العربي. كما أن مدن تركيا التقليدية، مثل أورفا وقونيا وبورصا، ظلت تعبر عن الوحدة والتكامل في النسيج الثقافي مع المدن المشابهة لها في الجغرافيا العربية.
ويؤكد على ان الضعف في ذلك التأثير المتبادل والمشترك دب بفعل ما قامت به التيارات القومية التي ظهرت مع الثورة الفرنسية من تمزيق لذلك الإدراك داخل الجغرافيا الثقافية - السياسية العثمانية. وكان من نتائج بروز الهوية القومية والحاجة إلى بناء سياسي جديد في سياق تشكل الدولة القومية، تحول هذا التمزق إلى رد فعل نفسي، كما أن تأثيرات القوى الاستعمارية والتطورات التي حدثت في الحرب العالمية الأولى كانت من العوامل المحرضة على ظهور رد الفعل هذا.
فمنذ تلك الفترة، رأى القوميون الأتراك في التخلص من التأثير العربي شرطاً ضرورياً للتمكن من تشكيل ثقافة تركية مستقلة، كما تبنى القوميون العرب فكرة أن السبيل الوحيد لعودة العرب إلى الظهور على الساحة السياسية يكمن في التحرر من تأثير السياسة التركية.
ويشير الى ان التراكمات الثقافية للتأثير العربي مثلت بالنسبة للنخب التركية قوة تعطيل، ورأت تلك النخب استحالة القيام بالتحديث ما لم يتم تخليص تلك التراكمات الثقافية من تأثير الجغرافيا التي ولدتها، ولذا، أصبحت صورة الشرق الأوسط لدى النخب التركية مرادفاً للتخلف الواجب التحرر منه ثقافياً، وساحة مخاطر عسكرية وسياسية يتحتم الابتعاد عنها قدر الإمكان.
وتأثر الدبلوماسيون والباحثون وصانعو السياسة والأدباء الأتراك بهذا النسق الإدراكي، واستمدت التحليلات المعنية بهذا الشأن أفكارها، في الغالب، من مصادر خارجية، وبذا باتت تركيا غريبة عن ثقافة المنطقة وسياستها وتوازناتها الداخلية، بل وانسلخت عنها، وقد أدى هذا الأمر بتركيا إلى فقدان القدرة على التقاط إيقاع المتغيرات الجارية في المنطقة، واستقرت هذه الرؤية التي تكونت وفقاً للصورة المرسومة للعرب داخل مركز صناعة السياسة الخارجية التركية.
الحلقة 1
المؤلف: د. أحمد داود أوغلو
الناشر: الدار العربية للعلوم ومركز الجزيرة للدراسات
عرض وإعداد: كامل عبدالله
عدد صفحات الكتاب: 600
ترجمة: محمد ثلجي وطارق عبد الجليل
مراجعة: د. بشير نافع وبرهان أوغلو

