يحاول الرئيس الأميركي باراك أوباما أن يمسك بخيوط ثلاثة، طالما أوقعت سابقيه في تلافيفها خلال العقدين المنصرمين، أي تحقيق التقدم في أكثر مشكلات الشرق الأوسط تعقيداً وعنفاً، وحل الصراع الفلسطيني الإسرائيلي، ومشكلات العراق.

ورغم أن التاريخ لا يقف في صف أوباما، ورغم تعقيد الوضع الأميركي الراهن داخلياً وخارجياً، فإن أوباما نجح في تغيير المناخ السياسي على الحلبات الثلاث، وحقق نتائج لم تتحقق في السنوات السابقة.

وحين سعى الرئيس الأميركي الأسبق بيل كلنتون لتحقيق استراتيجية مماثلة، ذهب إلى القول إن السلام الشامل بين الفلسطينيين والإسرائيليين، كان سيؤدي بسهولة لمشاركة العرب بسهولة أكبر في احتواء العراق وقوى إقليمية أخرى، لكن أثبتت الوقائع على الأرض أن العكس صحيح أيضاً.

وقبل شهر من غزو العراق، قال الرئيس الأميركي السابق جورج بوش إن إسقاط نظام صدام حسين سوف يفتح آفاقاً من الحرية في العراق، تصلح لأن تكون قدوة لباقي الدول في المنطقة، وفي الوقت نفسه دعا الدول العربية لدعم فلسطين الديمقراطية المسالمة.

التي ستعيش جنباً إلى جنب مع إسرائيل، غير أن العراق ابتلعه لهيب الحرب، كما انهارت مفاوضات السلام في فلسطين، ولم يحدث شيء مما تنبأ به بوش.

أما طرح أوباما، الذي شكل جزءاً من خطابه الأخير، حول انتهاء المهمات القتالية في العراق، واجتماعه التاريخي بالزعيمين الفلسطيني والإسرائيلي في البيت الأبيض لبدء مفاوضات مباشرة بين الطرفين، فإنه يعتبر طرحاً أكثر واقعية وذكاء، ويربط خيوط اللعبة ببعضها، بشكل متقن أكثر.

وقال راهم إمانيويل، كبير موظفي البيت الأبيض، وأحد أهم الخبراء الأميركيين بشؤون الشرق الأوسط: «هذه ثلاث قطع كبيرة من الشطرنج هنا، ونحن مرشحون لنيلها جميعها»، وأقر إمانيويل بأن الربط بين الخيوط الثلاثة لا يزال مرتخياً وهشاً، لكنه يرى أن النصر لا يولد سوى النصر، وأن النجاح سيتعزز قريباً.

يقول مارتين إنديك، الذي عمل سفيراً للولايات المتحدة في إسرائيل، ويعمل حالياً مديراً للشؤون الخارجية في معهد بروكنغز: «من الصعب الجزم بأن إحراز تقدم في عملية السلام سوف يحل المعضلة في العراق، لكنه سيوحد دول المنطقة ضد الأخطار التي يمكن أن تتعرض لها في المستقبل».

صحيح أنه بعد مرور ستة شهور على الانتخابات العراقية، لم يحسم الفرقاء السياسيون أمر الحكومة الجديدة بعد، لكن وتيرة العنف انخفضت بشكل ملموس، كما أن القوات الأميركية انسحبت قبل الموعد المقرر لها حسب البرنامج. يقول دنيس روس، كبير مستشاري الرئيس أوباما لشؤون الشرق الأوسط: «من الواضح أن معالم مرحلة سياسية ناضجة وحقيقية تتشكل في العراق».

ورغم هذا امتنع أوباما عن التبجح بالنصر، بل تحدث عن الجهود المستقبلية، التي لا تزال ضرورية لإنجاح المهمة، لكن يبقى الأمر الأهم وهو مدى استعداد الشعب الأميركي لإنفاق المزيد من الأموال والأرواح، في وقت لا يزال الفرقاء السياسيون يتجادلون في العراق حول الأحقية بالسلطة.

أما من الناحية الإستراتيجية فيرى رايان كروكر، السفير الأميركي السابق في العراق، أن أميركا تعاني من نقص في قدرتها على ممارسة الصبر الاستراتيجي، ويرى إن هذه المشكلة ليست جديدة بالنسبة للولايات المتحدة، وإنها ليست مقصورة على العراق.

فيما لا يزال هناك 50 ألف جندي أميركي في العراق، فإن أوباما أوضح في خطابه الأخير بأن نيته تتركز على الانسحاب كلياً من تلك الحرب من أجل التركيز على إنعاش الاقتصاد الأميركي، وحل القضايا الداخلية مثل الطاقة والتعليم.

وفي ما يتعلق بالقضية الفلسطينية، يرى مستشارو أوباما أن الظروف لم تكن أبداً أفضل مما هي عليه الآن لإجراء المحادثات الفلسطينية الإسرائيلية، فوتيرة الغضب العالمي من إسرائيل قد تقلصت، كما أن حكومة الرئيس الفلسطيني محمود عباس نجحت في تطوير البنية التحتية ونشر الأمن وتحسين معيشة الفلسطينيين في الضفة الغربية.

كما أن العديد من الفلسطينيين والإسرائيليين يؤيدون فكرة حل الدولتين، على الرغم من أن عدداً من الخبراء لم يبدوا تفاؤلاً حيال مدى استعداد الفلسطينيين والإسرائيليين لتقديم التضحيات اللازمة لتحقيق حل الدولتين.

يتبقى سؤال كبير وهو ما إذا كانت صورة الولايات المتحدة وهي تنسحب من العراق، وصورة البيت الأبيض وهو يرعى محادثات السلام ستكونان كافيتين لاعتبار ذلك نجاحاً، ولتغيير الفكرة السائدة عن الولايات المتحدة في عقول الكثيرين على امتداد العالم، أم لا.

فروق جوهرية

مع أن تفكير الرئيس أوباما يحتوي على بعض عناصر المنطق نفسها، التي كان يحتويها تفكير الرؤساء الأميركيين السابقين، إلا أن هناك فروقاً جوهرية بينه وبينهم، وسيكون النجاح والفشل رهناً بمدى اتساع أو ضيق تلك الفروق.

وهي تشتمل على وجود إشارات إلى انسحاب أميركي حقيقي من العراق، وظهور حكومة فلسطينية فعالة في الضفة الغربية، لكن المشكلة الرئيسية في الأمر، هي أن النجاح غير مضمون على كل الجبهات المطروحة، ولا يمكن التنبؤ بحيوية الربط بينها.

ديفيد سانغر