لا شك أن الرئيس الأميركي باراك أوباما انتابته الحيرة طويلاً، قبل أن يلقي خطابه الأخير، نظراً لوجود الكثير من القضايا العالقة هنا وهناك، فهل يركز على السياسة الخارجية بهدف طمأنة الأميركيين إلى جدية بلادهم في تحدي الإرهاب والتطرف في العالم؟

أم يكون حديثه منصباً على الانتخابات المقبلة، ويحاول كسب ود جمهور الناخبين بالتركيز على أن الاقتصاد هو سيد الأولويات في أجندة عمل الإدارة الأميركية والحزب الديمقراطي؟

من أفضل المقاطع في خطاب الرئيس أوباما، ذلك الجزء الذي اشاد فيه بالشجاعة والتضحية من جانب العسكريين الأميركيين، حيث قال: «تعتبر قواتنا بمثابة الفولاذ في السفينة، فهو فولاذ سفينتنا، وكل من خدموا في هذا الجيش ما هم إلا امتداد لسلسلة طويلة من الأبطال، تمتد من لكسنغتون حتى غيتسبرغ، ومن أيو جيما حتى إنشون، ومن خي سانه حتى قندهار».

وباعتبار أوباما سياسياً معارضاً للحرب، فإننا نرى أنه كان كريماً جداً في كيل المديح لما أنجزته قواتنا من انتصارات في دحر نظام كان يسبب الرعب للمواطنين العراقيين، ومساعدة العراق على اغتنام الفرصة لتحقيق مستقبل أفضل، يقول أوباما: «بفضل قواتنا، استطاعت الأمة العراقية أن تحظى بأفق جديد للحياة، على الرغم من أنه لا يزال هناك العديد من التحديات».

غير أن الخطاب، باعتباره خطاباً حول السياسة الخارجية الأميركية، لم يفلح في المضي في الاتجاه الصحيح والدقيق طوال الوقت، ففي الوقت الذي تحدث أوباما عن اعتزام الولايات المتحدة تعزيز قيادتها للعالم.

رأى كثير من المراقبين الغربيين أن الحديث شابه التسرع والميل إلى الانسحاب والتراجع، فعندما قال: «ينبغي علينا أن نفتح صفحة جديدة»، لم يكن ذلك يصب في مصلحة الولايات المتحدة، لأنه يعني انسحاباً واعترافاً بالخطأ.

لم تكن نبرة أوباما في خطابه مثل تلك النبرة الواثقة التي كان يتحلى بها الرئيس الأميركي الأسبق هاري ترومان، عندما وعد بحماية أوروبا واليابان من أي اعتداء يقع عليها.

كما لم يبد عليه التصميم والعزم بالقدر الذي كان يبدو على الرئيس الأميركي الأسبق دوايت آيزنهاور عندما قال، أثناء حديثه عن التزام أميركا بمساعدة كوريا للانتقال إلى الديمقراطية بعد الحرب الكورية: «يجب أن لا نتخلى الآن عن حذرنا أبداً».

كان خطاب الرئيس أوباما أشبه ما يمكن بدعوة السناتور جورج ماكغفرن، أثناء حملته الانتخابية عام 1972، أميركا «للعودة إلى الوطن»، إذ بدا من خطابه وكأنه لم يخرج من بوابة العراق بالسرعة الكافية.

ولك أن تتخيل ماذا كان يمكن أن يحدث لأوروبا لو أن الولايات المتحدة تخلت عنها بعد الحرب العالمية الثانية، في وجه الاتحاد السوفييتي، أو ماذا يمكن أن يحدث لآسيا لو انسحبت أميركا من شبه الجزيرة الكورية مباشرة بعد الحرب الكورية.

لهذا فإن أوباما لا يمكنه تجاهل العراق أو الانسحاب قبل الأوان من أفغانستان، فلأوباما التزام بهاتين الحربين، إذ إنه سيشارك المنتصرين نصرهم، في حالة حدوث ذلك، وسيتحمل جانباً من اللوم، في حالة الهزيمة.

يحتاج العالم في الوقت الحاضر لأميركا مسلحة بالعزيمة، ومن مصلحة الولايات المتحدة الأمنية والدبلوماسية والاقتصادية أن تتعامل بصبر مع قضية العراق وأفغانستان، كما فعلت في أوروبا وآسيا سابقاً.

خاصة أن أميركا تواجه تحديات جديدة من روسيا والصين ودول أخرى، لهذا فإن توجيه رسالة للعالم مؤداها أن الولايات المتحدة ما عادت ذلك الحليف الذي يمكن الاعتماد عليه، والركون إليه، هي على الأرجح أسوأ رسالة يمكن أن يوجهها رئيس.

كما تحدث أوباما عن تريليون دولار تم إهدارها في العراق وأفغانستان، دون مبرر منطقي، لكن أليست إزالة الأنظمة الدكتاتورية التي تهدد السلام والاستقرار، وتعزيز الديمقراطية في العالم العربي، وتوجيه ضربات قاصمة للقاعدة، وحماية أميركا، وتقليص خطر الإرهاب العابر للقارات، مبررات منطقية؟

يمكن للرؤساء أن يديروا الشؤون المحلية والخارجية في الوقت نفسه، وفي الأوقات الحساسة، فمن الضروري أن يستخدم الرئيس القوة الأميركية لتغيير العالم.

نقد وتحليل

كثيراً ما لفت الرئيس الأميركي باراك أوباما الأنظار باعتباره قائداً متردداً ومتناقضاً، وما زادنا خطابه الأخير إلا اقتناعاً بهذا التصور، لهذا سيلقى الخطاب الكثير من النقد والتحليل، خاصة خارج الولايات المتحدة.

كال أوباما، في إعلانه انتهاء المهمات القتالية في العراق خلال الخطاب، الثناء والتقدير لقواتنا على التزامها لمساعدة العراق بناء مستقبل أفضل، لا بل وامتدح سلفه جورج بوش، وإن اقتصر ذلك على ما يراه فيه من وطنية، لا على الإنجاز الكبير الذي حققه، والذي تلخص بمثابرته كقائد حرب على تحقيق الأهداف.

غير أن أوباما ركز في حديثه على الثمن الفادح الذي دفعته الولايات المتحدة، خلال السنوات السبع الماضية، بدلاً من أن يركز في حديثه على الإنجازات، التي حققتها القوات الأميركية، أو على الآفاق الإستراتيجية، التي هيأتها تلك القوات للعراقيين والأفغان.

بقلم ـ كارل روف وترجمة ـ يوسف جباعته