وصل الرئيس الأميركي باراك أوباما إلى مرحلة متعبة من مسيرته المهنية، ففي هذه المرحلة يحتاج بشكل ماس لأن يُعطى الفرصة، لكن لا أحد يبدي استعداداً لفعل ذلك، حتى أنه لا يستطيع أن يمارس عرفاً درج عليه الأميركيون، وهو قضاء إجازة في شهر أغسطس، دون أن يتعرض للنقد الشديد، بدعوى أن «مارثاز فاينيارد»، وهو المكان الذي يقصده أوباما للإجازة، منتجع فخم بشكل مبالغ فيه، وهناك آخرون يرون أنه ينبغي على أوباما أن لا يخرج في إجازة أبداً، ومن هؤلاء مذيع البرامج الحوارية ديفيد ليترمان الذي قال: «سيكون لدى أوباما الكثير من وقت الفراغ ليقضي ما شاء من الإجازات بعد انقضاء فترة رئاسته الوحيدة».
هذا ينذر بخطر شديد على مستقبل أوباما السياسي، فقد تزلزلت شعبيته بشكل كبير، ويتوقع الكثير من المراقبين أن تسفر الانتخابات النصفية عن فوز كبير للجمهوريين، وفي حال حدث ذلك، فإنهم سيسيطرون على مجلسي الشيوخ والنواب.
كيف حدث هذا وأوباما حقق الكثير من الأمور الإيجابية أكثر مما ارتكب من الأخطاء منذ توليه الرئاسة، فقد أحدث تطوراً جذرياً في نظام الرعاية الصحية، ذلك النظام الذي أثرت دهاليزه كثيراً على الرئيس الأميركي الأسبق بيل كلينتون، ولم يجرؤ الكثير من الرؤساء السابقين على الخوض في مائه العميق، لأنه يعتبر من أكثر المشكلات تعقيداً في الولايات المتحدة.
أما أوباما فقد واجه الأمر بمنطق وشجاعة، وهذا غيض من فيض، فقد قدم تحفيزات للاقتصاد الأميركي بلغت 787 مليار دولار، كما غير كثيراً من قواعد العمل، التي تسود وول ستريت، وساهم في فرض قانون لحماية كبار السن من التمييز.
وأصلح نظام القروض المخصص للطلبة، كما أنه حقق تخفيضات ضريبية بالنسبة ل95 من الأميركيين، وهي إصلاحات قاومها الجمهوريون داخل أروقة الكونغرس بضراوة، وحاولوا منعها، لكنهم، رغم كل هذا، يتفقون، ولو على مضض، على أن أوباما قد حقق إنجازات تشريعية لم يحققها أي من الرؤساء، منذ أيام لندون جونسون في الستينات.
أوباما نجح في إنهاء العمليات القتالية في العراق، في الموعد المحدد لها، دون أن يتبجح كثيراً بأن المهمة تحققت، كما أنه عين امرأتين في مناصب حساسة في المحكمة العليا، ويخلو البيت الأبيض في فترته من المشكلات، بخلاف ما كانت عليه الحال أيام بيل كلينتون، حيث كان شاهداً على الفضائح، أو المناكفات الداخلية، التي شابت أروقته في عهد جورج بوش.
لا ندعي أن أوباما كامل الأوصاف ومنزه عن الأخطاء، لكنه حقق، وبشكل كبير، ما وعد به، وهو بنظر المنصفين مصلح عملي ومثابر.
كما لا ننسى أنه حقق بعض النجاحات في الخارج أيضاً، فقد أعاد ترتيب العلاقة مع روسيا، ورعا في البيت الأبيض لقاءً ضم كلاً من الرئيس الفلسطيني محمود عباس ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتانياهو، تمهيداً لمفاوضات مباشرة بين الطرفين.
وساهم بشكل كبير في إنقاذ سمعة أميركا، وأصلح علاقاتها مع أوروبا، ونجح في التقرب من العالم الإسلامي، يكفي أن العالم لم يعد يتوجس خيفة من أن تخطر ببال الرجل الجالس في البيت الأبيض فكرة مجنونة، في أية لحظة، كما هي الحال أيام جورج بوش.
لذلك وبدلاً من أن يتوقع أوباما المكافأة والشكر، نراه لا ينجح في تجنب اللوم، أو إنقاذ شعبيته من التدهور، وربما يعود سبب ذلك إلى طبيعة الظرف، الذي جاء فيه أوباما إلى البيت الأبيض، فقد وصل في خضم أزمات كثيرة سياسية واقتصادية.
كما أنه أول رئيس أسود للولايات المتحدة، ليس هذا فحسب، بل كان مطلوباً منه أن يلعب دور المخلّص أو المنقذ، لهذا كان متوقعاً ألا ينجح في تحقيق رضا الناس، مهما فعل، خاصة من صوت له، وينبغي أن نتذكر أن معظم الأميركيين لا يمنّون عليه بشيء في المقام الأول، فهم لم يصوتوا له، إذ أنهم التزموا بيوتهم يوم التصويت، أو أنهم صوتوا ضده.
كما أن هناك عوامل أخرى أثرت في شعبية أوباما، ومنها أن الشعب الأميركي غير سعيد بطبعه، ومن الصعب إرضاؤه، ومن سوء حظ أوباما أنه جاء في فترة اقتصادية من أسوأ الفترات التي تشهدها الولايات المتحدة، منذ زمن طويل، ولم ينجح في الفترة القصيرة التي أمضاها في الرئاسة في أن يقلص من معدلات البطالة، التي ارتفعت لتصل إلى 5,9%.
لكن مجمل الإصلاحات التي تم تنفيذها ستؤتي أكلها بعد حين، وسيتلذذ بثمارها الأميركيون، وحينها لن يرضوا بديلاً عن أوباما رئيساً لفترة رئاسية ثانية، وحتى إن لم يحدث هذا، فيكفيه أنه يكون قد حقق في فترة رئاسية واحدة ما لم يحققه الكثير من الرؤساء غيره في فترتين رئاسيتين.
بقلم ـ آندور راونسلي - ترجمة ـ يوسف جباعته
