عدت لتوي من رحلة العمل الصيفية المعتادة إلى كوريا الجنوبية، حيث أدرس العلاقات الدولية في جامعة كيونغ هي في سيؤول، وفي كل وقت أزور ذلك البلد، يلفتني شيئان متناقضان.
الأول، هو الرخاء الاقتصادي الذي يعيشه الناس هناك، وأهدافهم الواضحة في المضي قدماً للأمام، وتحقيق المزيد من التطور، والثاني، هو الشعور الكوري الجنوبي العام بعدم الأمان، وأن القوة العسكرية مهمة.
غير أن هذا التناقض المتعلق بالرخاء الكوري والخوف من الحرب والكوارث كان أكبر، في زيارتي الأخيرة تلك، وأكثر وضوحاً منه في زياراتي السابقة كلها لكوريا.
لا تخفي مظاهر الرفاهية والرخاء على كل زائر لكوريا، انطلاقاً من مطار «إنشيون الدولي» وانتهاء بمراكز التسوق الفارهة وسط سيؤول، التي تدل كلها على أن البلد يعيش حالة من الرخاء الاقتصادي قل نظيرها.
فأنا لا أعتقد أنني رأيت في حياتي مثل هذا العدد من سيارات «بنتلي» الفارهة في مكان واحد، كالذي رأيته في سيؤول، كما أن هناك سيارات فاخرة مصنوعة في كوريا، ولا يتم تصديرها خارج البلاد، بحسب معلوماتي.
تعادل في تصميمها أحدث سيارات «بي أم دبليو» و«مرسيدس»، فكوريا لم تعد ذلك البلد المنتج لأدوات المطبخ رخيصة الثمن، بل تعدت ذلك بكثير لتنافس أكثر الدول تقدماً في رحلة انطلاقها نحو القمة، حتى مع وجود حالة من الفقر شبه المتنكرة في بعض المناطق الريفية والضواحي، خاصة في أوساط كبار السن هناك، الذين لا يملكون درجة علمية أو بذلة أنيقة.
يفتخر الكوريون كثيراً بأنهم سيستضيفون قمة العشرين في نوفمبر المقبل، كما يفتخرون بأن اقتصادهم ذا الإنتاج الوفير طغى على كثير من اقتصادات الدول الأوروبية، وتفوق عليها، وتشير التقديرات إلى أنه بحلول العام 2050.
فإن كوريا الجنوبية ستحتل المرتبة الثانية في العالم من ناحية الناتج المحلي لكل فرد، متفوقة بذلك على اليابان وألمانيا وفرنسا، أي أنه يمكن القول إن كوريا الجنوبية تتجه لأن تصبح سويسرا شرقي آسيا.
لكن هذا للأسف غير ممكن، فكوريا الجنوبية لا يمكنها بأي حال أن تكون سويسرا أخرى في المنطقة، لأنها من النواحي الجغرافية والجيوسياسية مختلفة عن سويسرا، فكوريا لا تتوفر فيها عوامل الأمان المتوفرة في سويسرا، كونها بلداً محاطاً بالجبال.
تقع كوريا الجنوبية بالقرب من نظام سياسي يعتبر من أكثر الأنظمة جنوناً في العالم، حيث لا يمكن التنبؤ بتصرفاته في أية لحظة، ويمكن للمرء من على برج عال وسط سيؤول أن يشاهد، في يوم صحو.
بعينيه المجردتين المنطقة المنزوعة السلاح بين البلدين، من هنا كان التركيز الإعلامي في كوريا الجنوبية كبيراً على المناورات المشتركة، التي تجريها كوريا مع الولايات المتحدة، وزيارة حاملة الطائرات العملاقة «جورج واشنطن» لبوسان.
كوريا لا تعاني من الصداع جراء جارتها فحسب، وإنما بسبب وقوعها وسط منطقة تنازع المصالح بين أربع قوى عالمية هي الصين واليابان والولايات المتحدة وروسيا.
وفي الوقت الحالي لا ترغب أي من تلك الدول في تغيير الوضع الراهن في المنطقة، والمفارقة هي أنها لا ترغب في ردع كوريا الشمالية عن عدوانها.
والحقيقة المرة الأخرى أيضاً هي أن مستقبل كوريا الاقتصادي والجيو سياسي يعتمد على ما تقرره الدول الكبرى أكثر بكثير من اعتماده على الجهود والمبادرات الذاتية، لهذا فما دام أولئك الأربعة الكبار في وفاق، فبإمكان كوريا الجنوبية المضي قدماً في طريق الرخاء والتقدم.
ويظل الخوف الكوري الجنوبي من عواقب انتشار قوة الصين وتفوقها هو السائد، على الرغم من أنها لا تظهر ذلك التخوف، حتى لا تتسبب بإزعاج بكين، كما لا تفضل كوريا الجنوبية فكرة التعامل مع اليابان، ما يجعل الوجود الأميركي في المنطقة مرحباً به من قبل الكوريين الجنوبيين، ولأمد بعيد.
لا تعتبر المعضلة الجغرافية الكورية الجنوبية ظاهرة جديدة على العالم، فهناك أمثلة كثيرة تشير إلى أن الدول تعتبر دوماً الأرض المنخفضة مكاناً مناسباً ليكون ميداناً للحروب والصراعات.
وهذا ما كانت عليه الحال في أوروبا منذ مئات السنين، فقد تعرضت أجزاء من فرنسا وبلجيكا وهولندا، المعروفة قديماً باسم فلاندرز، للغزو عشرات المرات، وكذلك الحال بالنسبة لدول مثل بولندا وليتوانيا، وفي مناطق أخرى في العالم تتعدد الأمثلة، وما لبنان وفلسطين إلا بعضها.
هذا ما يجعل كوريا الجنوبية، على الرغم من رخائها، تنظر للقرن الحادي والعشرين بعيون غريبة، مليئة بالتفاؤل الاقتصادي المختلط بالقلق الأمني.
مؤرخ شهير
بول كيندي أحد أشهر المؤرخين المعاصرين على المستويين الأميركي والعالمي، خاصة بعد صدور كتابه الأشهر «صعود وسقوط القوى العظمى»، الذي صدر في أواخر عام 1988، مثيراً ضجة دولية يندر تكرارها لكتاب آخر.
حيث تنبأ بمرور الإمبراطورية الأميركية بمرحلة انحسار بحلول عام 2010، إلا أنه في الوقت نفسه لم يتوقف عن التحذير من «التوسع الاستعماري» الأميركي، الذي لا بد أن يعرض القوة الاقتصادية الأولى للإرهاق تحت وطأة الإنفاق العسكري غير المحدود، وبلغت مبيعات الكتاب مليوني نسخة، وترجم إلى 23 لغة من بينها العربية.
بقلم - بول كيندي
