في التاسع والعشرين من أغسطس، قبل مئة عام من الآن، تم الإعلان عن اتفاقية ضم كوريا إلى اليابان، وذلك بعد أسبوع واحد من التوقيع عليها، غير أنها لم تكن اتفاقية بين طرفين متساويين في القوة، وبهذا أصبحت كوريا بموجبها محمية يابانية، وسلم الإمبراطور الكوري مقاليد سلطة بلاده لنظيره الياباني بشكل تام ونهائي، وهكذا أصبحت كوريا مستعمرة لليابان.
من الحقائق المؤسفة حول العلاقة بين كوريا واليابان، بعد إصلاح فيجي، أن اليابان اتبعت الأسلوب نفسه الذي تتبعه الولايات المتحدة معها من الناحية التجارية، أو ما يمكن أن يسمى «دبلوماسية السفن السوداء».
ففي عام 1876، مثلاً، أرسلت اليابان سبعة سفن تابعة للبحرية وأخرى غير عسكرية، وفرضت على كوريا اتفاقية اقتصادية غير متكافئة، فتحت من خلالها ميناءين للبضائع اليابانية، وهذا ما فعلته الولايات المتحدة والقوى الغربية باليابان.
هناك من يقول إن حكم اليابان لكوريا، الذي امتد 35 عاماً، عزز البنية التحتية لكوريا وتعليمها وزراعتها وصناعتها ومؤسساتها الاقتصادية، ما ساعدها على التطور بشكل عام، لكن ينبغي على المرء أن لا ينسى مقدار الألم والمعاناة، اللذين أصابا الكوريين جراء الاحتلال.
وفي هذه الأيام فإن كثيراً من اليابانيين يزورون كوريا سياحاً، كما أن الروابط التجارية بين البلدين قوية، لكن ما لم يتعلم اليابانيون بعض الحقائق الأساسية البسيطة من التاريخ الحديث، فإن فرص قيام علاقات ثنائية متينة بين البلدين ستظل محدودة.
على سبيل المثال، إذا تذكر اليابانيون «هيروفومي إيتو» على أنه، أول رئيس وزراء لليابان فحسب، فمعنى هذا أن ذاكرتهم لم تسعفهم جيداً، لأن إيتو خدم أيضاً باعتباره أول حاكم عام ياباني مقيم لمحمية كوريا.
وعليهم أن يتذكروا أيضاً أن الكوريين ينظرون بعين الإجلال والتقدير لـ «آن شونغ غن»، الرجل الذي اغتال إيتو في 26 أكتوبر 1909، ويعتبرونه بطلاً قومياً في بلادهم، أدى مهمة نبيلة.
وكما كان متوقعاً، فقد لاقى الاستعمار الياباني لكوريا مقاومة شعبية من الكوريين، كانت تصل في ذروتها للصراع العسكري، حيث تظهر السجلات العسكرية اليابانية وقوع أكثر من 2800 حادثة صدام عسكرية بين البلدين من أغسطس 1907، وحتى نهاية عام 1910، قتل فيها 700 .17 كوري تقريباً.
لكن الحماقة الأكبر التي ارتكبتها اليابان في كوريا هي محاولتها تحويل الكوريين بالقوة إلى رعايا للإمبراطورية اليابانية، وذلك بعد اندلاع الحرب الصينية اليابانية ( 1937 ؟ 1945 ).
حيث كان يتم إجبار طلاب المدارس على أن يؤدوا طقوس الطاعة والولاء للإمبراطور الياباني مع كل طابور صباحي، كما استخدمت المناهج اليابانية نفسها، التي أعدتها وزارة التعليم اليابانية، في المدارس الكورية.
وفي أكتوبر عام 1942، ضبطت الحكومة اليابانية في كوريا مجموعة من الأكاديميين والمثقفين الكوريين وهم يحاولون وضع قاموس للغة الكورية وحروفها، وتم اعتقالهم بذريعة انتهاكهم لـ «قانون حفظ السلام»، وهو قانون يقضي بمعاقبة كل من يحاول تأسيس منظمة أو جماعة تحاول تغيير السياسة اليابانية في المنطقة، حتى أن اليابان ابتداء من العام 1940.
بدأت تفرض الأسماء اليابانية على الكوريين، وقام الحكام المحليون بالضغط على السكان، لكي يستخدموا الأسماء اليابانية باعتبار أنها إشارة دالة على انتمائهم الصادق للإمبراطورية اليابانية، وفي عام 1938 بدأت قبول المتطوعين الكوريين في جيشها.
أما في عام 1944 فقد فرضت التجنيد الإلزامي على الكوريين، كما أنها استخدمت الكثير من الكوريين ليكونوا من ضمن العمالة المدنية العاملة في الحرب، وعانت الكثير من النساء الكوريات نتيجة تعرضهن للاغتصاب في فترة الحرب، واعتبارهن إماء لخدمة الراغبين بالجنس من الجنود اليابانيين.
كل من يحاولون تبرير ضم كوريا لليابان، ينبغي أن لا ينسوا أن كوريا لها هويتها العرقية الخاصة، وتاريخها وحضارتها الخاصة، لكن النتيجة هي أن اليابان فشلت في فرض حضارتها وهويتها على الكوريين.
كما لم تقم بتطبيق أية قوانين في المستعمرة الكورية تتعلق بحماية العمال في مكان العمل، رغم أن هذه القوانين سائدة ومنتشرة في اليابان، وهذا يعود إلى أن كوريا تحمل هوية منفصلة عن اليابان.
إذا كان اليابانيون مهتمين فقط بمظاهر الثقافة السطحية أو المواقع السياحية الكورية، فمعنى هذا أن فهمهم لكوريا ضيق للغاية، والشيء نفسه ينطبق على الكوريين، فإذا فشل الشعب الكوري في فهم مدى التغير الذي طرأ على اليابان، خلال فترة ما قبل الحرب أو خلالها، يكون قد فاتهم الكثير من فهم يابان اليوم.
حقائق تاريخية
أجرت اليابان مسحاً شاملاً للأراضي الكورية، من عام 1910 وحتى عام 1918، بغرض توزيع الملكيات وحقوقها، ولمّا لم يستطع العديد من المزارعين تقديم وثائق تثبت ملكيتهم لأرضهم، فقد تم اعتبارهم مستأجرين لتلك الأراضي، لا مالكين لها.
كما أنه، على الرغم من ارتفاع إنتاج الأرز في كوريا، فإن نسبة كبيرة منه كان يتم شحنها لليابان، ويروي أحد الكتب الكورية حقيقة مفادها أن الاستعمار الياباني خلال حرب المحيط الهادي كان «ينهب 40 إلى 60 % من منتجات كوريا الزراعية من الحبوب المختلفة».
ترجمة - يوسف جباعته
