في مطالع الصيف الحالي.. تسامعت الدوائر الفكرية والسياسية في العالم بخبر يقول:
- إن سلطات الاحتلال الإسرائيلي قررت منع البروفيسور «نعوم شومسكي» من الوصول الى الضفة الغربية خلال زيارة أكاديمية كان يزمع القيام بها الى الجامعات الفلسطينية. الأستاذ شومسكي مفكر عالمي ذائع الصيت، يعد في طليعة رواد دراسة علم الألسنية ـ اللغويات الحديث.. فضلا عن كونه ناشطا سياسيا وقلما موضوعيا لا يتورع عن توجيه أسهم الانتقاد لسياسة الولايات المتحدة الأميركية في بقاع شتى من العالم، ولا عن أن يمتد هذا الانتقاد ـ بنفس الموضوعية ـ كي يتوجه الى الكيان الصهيوني المحتل في قلب الشرق الأوسط ذلك الذي يحمل عنوان: إسرائيل. البروفيسور شومسكي لا يمكن اتهامه لا بالتحامل ولا بالتعصب.. دع عنك الاتهام المعروف المكرور، سابق التجهيز بأنه ينتمي الى دولة مارقة أو الى كيان راع للإرهاب أو الى فصيل راديكالي متشدد يرفع شعارات الإسلام ناهيك بتهمة العداء للسامية.
هجوم المؤسسات اليهودية
في الدراسة التأبينية التي نشرتها فور رحيله جريدة «نيويورك تايمز» يقول الكاتب ويليام غرايمس:
- إن آراء الأستاذ «جوديت» بشأن إسرائيل جعلت منه شخصية خلافية باستمرار.. ويكفي أنها أحاطته دوامة من الجدل المرير في عام 2003 حين اقترح الأكاديمي الكبير حلا يقضي بإقامة دولة واحدة بالنسبة للقضية الإسرائيلية ـ الفلسطينية.. جاء ذلك في مقالة شهيرة نشرتها مجلة «نيويورك ريفيو أوف بوكس» (كان الرجل في طليعة كاتبيها الدائمين) وفي المقال اقترح جوديت أن تقبل إسرائيل بقيام دولة علمانية (وبالتالي غير يهودية بداهة) وتضم قوميتين (العرب الفلسطينيون واليهود الإسرائيليون).. في تلك الفترة تعرض الرجل لانتقادات بغير حدود من جانب عصبة مناهضة التشهير وكذلك من جانب اللجنة الأميركية ـ اليهودية (وهما أكبر مؤسستين تعبران عن توجهات اللوبي اليهودي ـ الصهيوني في الولايات المتحدة)
ولقد بلغ أمر هذه الاتجاهات المعادية لمفكر وأكاديمي يحاول أن يطرح آراءه بحرّية وموضوعية ؟ الحد الذي بادرت معه مجلة «ذي نيوريببليك» المحافظة ؟ هل نقول رجعية الاتجاهات - الى رفع اسم البروفيسور توني جوديت من على الشعار الذي تنشره على غلافها (الترويسة بالمصطلح الصحفي المعروف) بعد أن كانت تتيه خيلاء في الوسط الفكري بأن الأستاذ جوديت كان يشغل موقع رئيس تحريرها المشارك.. ويومها بادر محررها الأدبي «ليون ويزلتيير» الى التعريض بالرجل قائلا إن أفكاره تجعله مثارا للاحتقار والازدراء.
هذا الارتياح الغريب
وفي معرض الاستجابة إزاء هذا الهجوم أدلى البروفيسور «توني جوديت» بتصريح لصحيفة الجارديان البريطانية لا يخلو من مفارقة السخرية قال فيه:
- أنا أستاذ في جامعة نيويورك.. وخارج حرم الجامعة يوجهون إليّ اتهامات ما بين كوني يساريا بل ويهوديا شيوعيا كارها لذاته.. أما في داخل الجامعة فهم ينظرون أليّ بوصفي ليبراليا نخبويا انتمى الى الجنس الأبيض وأَصدر عن الاتجاهات العتيقة في التفكير.. وبصراحة فأنا أحب هذه التوصيفات.. وإذ يضعونني عند حافة هذين الاتجاهين (ما بين اليسار واليمين) فأنا أشعر بالارتياح.
وعندنا أن أهم وأخطر توصيف صادر عن هذا المفكر الكبير الراحل بالنسبة للكيان الاستعماري الاستيطاني الصهيوني في قلب الأرض العربية هو تلك العبارة المحورية التي سجلها عقب حرب 1967:
كان يومها قد تقدم للالتحاق بالدراسات العليا في جامعة كامبردج.. واجتاز اختبار القبول في كلية «كينجز» ولكن دعايات الصهيونية العالمية منذ ربيع 1967 ملأت آفاق العالم.. بأن إسرائيل.. على وشك الانهيار والزوال وأن العرب يتربصون بها لتحطيمها ومن ثم تضييع آمال يهود العالم في الملجأ الآمن والملاذ الأخير.. الخ.
لم يتورع «الشاب» توني جوديت عن التطوع سكرتيرا أو مترجما لحساب الجيش الإسرائيلي. وخاض تجربة احتلال مرتفعات الجولان السورية.. وهنا، ومن واقع هذه التجربة العملية المعاشة، جاءت تحولات الرجل إزاء إسرائيل وسلوكياتها وآفاق مستقبلها يقول الكاتب الأميركي ويليام غرايمس:
- هنالك فَقَد توني جوديت إيمانه برسالة الحركة الصهيونية، وشرع ينظر الى إسرائيل بوصفها قوة احتلال غاشم وخبيث لا أكثر ولا أقل.. وبعدها جاء توصيفه الجوهري لإسرائيل وما تطرحه من أنها دولة يهودية.. والتوصيف يقول بالحرف:
- إن إسرائيل كيان تجاوزه الزمن.. (أنا كرونيزم في المصطلح الإنجليزي).
نهاية إسرائيل
وحين يصدر مثل هذا التوصيف الدقيق عن مؤرخ يعرف بالضبط ما يقول، ويجيد بدقة استخدام أدوات الحكم على الأوضاع والحقائق التاريخية.. يجوز لنا القول من منظور التحليل السياسي واستشراف التطور التاريخي، أن إسرائيل كيان محكوم عليه بالتداعي والانهيار إذا ما استمرت صيغته على ما هي عليه من ثلاثية السلوك القائم على أساس التعصّب العرقي والديني، أو على أساس التوسع الاستيطاني خلافا لحقائق الجغرافيا وسجل التاريخ وتناقضا صارخا مع أعراف القانون الدولي.. دع عنك سلوك الإرهاب الصارخ المسلح.. لا في مواجهة صريحة أو متكافئة مع قوى منظمة ومسلحة بقدر ما أنها مواجهة ـ إن صحت تسميتها أصلا ـ مع جموع المدنيين العّزل المحاصرين وفي مقدمتهم النساء والأطفال، على نحو ما شهدته أحداث غزة الأخيرة.
النشأة والسيرة الذاتية
جاء الباحث الشاب توني جوديت مهاجرا أو نازحا من مسقط رأسه في انجلترا الى حيث عاش وكتب وعلّم ونشر في أميركا ؟ نيويورك على وجه التحديد.
ولد في عام 1948 ونشأ في جنوبي العاصمة البريطانية لندن.. وإذا ما تأملنا شجرة عائلته لوجدناها شديدة التنوع لدرجة ملحوظة: الأب بلجيكي ينحدر من سلالة يهودية بل حاخامية كما كتبت «الأوبرزفر» البريطانية (في مقال بقلم جامي دووارد) والسلالة إياها تنتمي قوميا الى ليتوانيا ـ الجمهورية التي كانت تعرف مع استونيا ولاتفيا بأنها دويلات بحر البلطيق.. الأم جاء والداها الى انجلترا مهاجريْن من روسيا.. ثم ها هو الابن وقد حصل على الدكتوراه من جامعة كامبردج الإنجليزية العريقة.
لا عجب أن تحطّ هذه «التوليفة» المتعددة الأعراق والاهتمامات رحالها على أرض أميركا فيعمد صاحبها توني جوديت في عام 2005 الى نشر كتاب غاية في الأهمية بل والخطورة بعنوانه الشهير:
- تاريخ أوروبا منذ عام 1945.
هو تاريخ القارة المحورية في سياسة عالمنا بعد الحرب العالمية الثانية.. وعلى مدار سنوات النصف الثاني من القرن العشرين، وهي الحقبة التي مازالت ترتكز إليها وتصدر عنها فكريا وتكنولوجيا وسلوكيا.. حقبتنا الراهنة في العقد الأول من الألفية الثالثة.
في هذا السياق يقول المؤرخ جوديت:
- للتاريخ أمر عجيب.. يمكن أن يعرض على ناظريك ركاما من السوء والشر. ومع ذلك يستطيع التاريخ أن يوضح لك أشواط التقدم الذي تم إحرازه في مجالات المعرفة والسلوك والقوانين والحضارة، ولكن دون أن يفسر لك المغزى الذي يكمن وراء هذا كله..
لا عجب أن قوبل كتابه المذكور بأوسع قدر من الاهتمام والإعجاب والحفاوة.. يستوي في ذلك اهتمام القارئ العادي مع تقدير أكبر الأساتذة الاختصاصيين. وفي هذا المضمار يصف البروفيسور «تيموثي سنايدر» مؤرخ جامعة ييل المرموقة الكتاب المذكور قائلا:
- هو أفضل كتاب في موضوعه يكتبه أي إنسان في الحاضر وفي المستقبل.
الصدق الجارح
ولعل أهم ما ميز هذا الكتاب هو مدى صراحة مؤلفه الأستاذ جوديت في سرد وتأريخ وتقييم الأحداث.. بموضوعية صريحة.. وربما جارحة في بعض الأحيان لدرجة أن أطلقت عليها النيويورك تايمز مؤخرا الوصف التالي:
- إنها الصدق الذي لا يبالي.
وعندنا أنها «كلمة الحق التي لم تترك لي صديقا» على نحو ما جاء به القول المتواتر في تراث الإسلام المضئ المستنير.
هذه الصراحة الجارحة ؟ تضيف التايمز ؟ جلبت على صاحبها ألوانا من التهجم من جانب زملائه من مثقفين ومفكرين لدرجة أن أطلقوا عليه وصفاً يجمع بين معاني المشاكس والشرس والعنيد.. والغريب أن كان صاحبنا يعّد هذه الأوصاف بمثابة أوسمة تدعو الى الفخر والاعتزاز.
تضيف «الجارديان» البريطانية موضحة أن بَلَغ من أمر هذه الانتقادات، بل التهجمات، أن أثارت تصريحات وكتابات الأستاذ «توني جوديت» بشأن إسرائيل «عاصفة فكرية أقرب الى صواعق النيران» على نحو تعبير الجريدة وكان الرجل في قلبها تماما حين نشر مقالة في عام 2006 أعلن فيها ما يلي:
- أصبحت إسرائيل اليوم خبرا سيئا (بمعنى سمعة شائنة) بالنسبة لليهود.
من جانبها تنقل «الأوبرزفر» البريطانية مزيدا من آراء جوديت بشأن قضية النزاع الفلسطيني ـ الإسرائيلي.. ويرجع نشرها الى أكتوبر من عام 2003 وقال فيها:
- لقد انتهت عملية السلام في الشرق الأوسط: لم تمت العملية بل قتلوها.. إن إسرائيل مازالت سادرة في الزراية براعيها الأميركي.. فهي تبني المستوطنات غير الشرعية في تجاهل شائن لما يوصف بأنه «خارطة الطريق» وبالتالي فقد تحوّل رئيس الولايات المتحدة الأميركية (جورج بوش ـ الابن) الى مجرد دمية بائسة لا حول لها ولا قوة.
مرض العجز الكامل
منذ سنتين أصيب هذا العقل الناشط الفعال بمرض عضال وغريب يعرف باسم «آفة لوغيريج» وهو يعّطل كل وظائف الحركة في جسد المريض لدرجة أن يعجز حتى عن التنفس إلا بمعونة أجهزة طبية خاصة.. عاش توني جوديت الأشهر الماضية «معتمدا على عطف الغرباء» على نحو ما يقول تلميذه «سول غولدبرغ» الذي أكد أن الأستاذ ناضل ورفض أن يستسلم أمام آفة العجز إذ لم يبق له ومنه سوى فضيلة العقل وقدرة التفكير.. ومن هنا أمكن، رغم قسوة الظروف، أن يصدر آخر كتبه الذي نقلب صفحاته بين أيدينا ونحن نكتب هذه السطور.. والكتاب صادر في مطلع الصيف الحالي بعنوان يمكن ترجمته على النحو التالي:
- «ثمة علّة أصابت البلاد».
وهو أقرب الى الدعوة الحارة.. إن لم تكن الوصايا الرصينة، التي تؤكد على أهمية مراجعة مسيرة المجتمعات البشرية وعياً بالدروس المستفادة من الأزمات الأخيرة، مع التأكيد على أهمية دور الدولة وعدم إطلاق العنان لحيتان الاقتصاد ومستغلي موارد المجتمع كي يسدروا فيما هم فيه، بدعوى حرية النشاط الاقتصادي ولكن على حساب أغلبية البسطاء من الناس.
إضاءة
بديهي أن ناعوم شومسكي مواطن أميركي الجنسية من جهة وإنسان يدين باليهودية من جهة أخرى. والأكيد أنه قد حارت البرية ـ سواء في إسرائيل أو في أوساط الصهيونية العالمية - في توصيف هذا السلوك المنهجي الذي ما برح يتبعه الدكتور شومسكي.. ومن لف لفّه من مفكرين وعلماء وسياسيين وناشطين، خاصة الذين يعتنقون اليهودية، ومن ثم فلا سبيل الى اتهامهم بالتعصب الديني أو العداء للسامية أو التحيز العقائدي على نحو ما دأبت ماكينات الدعاية الصهيونية على تصنيعه وإطلاقه وتوزيعه من افتراءات واتهامات.
من هنا جاءت بلورة الاتهام الجاهز بكل ما ينطوي عليه من خبث وغرابة.. وطرافة في بعض الأحيان:
لقد أطلقوا على البروفيسور نعوم شومسكي وأمثاله وصف « اليهودي الكاره لنفسه.».!
هذا الوصف الجاهز الخبيث ظل يحمله أيضا الكاتب الأميركي الكبير «توني جوديت» الذي نعرض له في هذه السطور وبعد أن رحل عن دنيا الأحياء في الأسبوع الأول من شهر أغسطس الحالي..
نتحدث عن البروفيسور «توني جوديت» أستاذ التاريخ والحضارة بالجامعات الأميركية.. والمؤرخ والناشط السياسي الذي أطلقت عليه المجامع الأكاديمية في انجلترا وأميركا الوصف التالي:إنه أنشط العقول حيوية في نيويورك.
محمد الخولي

