يعرفه الكل من خلال ملابسه المميزة، سروال أسود واسع من أعلاه، وطربوش مميز، وحزام عريض على وسطه معلق به إناء نحاس كبير مملوء بالمشروب.. إنه بائع العرقسوس، الذي تجده يمسك بيده إبريقاً من البلاستيك به ماء لغسل الأكواب، وباليد الأخرى صاجات نحاسية يضربها ببعضها البعض للفت نظر الزبون وهو يردد «العرقسوس بارد وجميل»، ولا ينسى أن يذكّر الناس بأنه شفاء لأمراض كثيرة.
ورغم ما يحمله هذا البائع من إناء كبير مليء عن آخره بالعرقسوس فإنك تجده يتحرك في شوارع الأحياء والحارات برشاقة نادرة، وأحياناً تجده بين العربات في الشوارع الكبيرة والمزدحمة يوزع أكوابه على السائقين الذين يكتوون بحر الصيف. وقد يصادفه الحظ ويجد سائحين أجانب فيوزع عليهم هذا المشروب الشعبي المصري ويعدد لهم محاسنه وفوائده ومعالجته كثيراً من الأمراض.
وأجمل ما يميز بائع العرقسوس وهو يصب المشروب في الكوب، أنه يرفع الإناء عالياً، ومن مسافة بعيدة عن اليد الأخرى التي تحمل الكوب وبسرعة خيالية لتجذب رغوة المشروب الأنظار وتعطي المشروب رونقاً مهماً وشكلاً جميلاً، والبعض يقول إن الرغوة لها فوائد أيضاً لبعض الأمراض، وبعد أن يشرب الزبون في لحظات يغسل الكوب من إبريقه الذي يحمله استعداداً لزبون آخر.
ملابس تراثية
وعندما يقودك الفضول لسؤال بائع العرقسوس عن كيفية احتماله هذا الحمل الكبير على كتفه ويديه، يقول لك: إذا استطعت أن أربط الإناء الكبير الذي يشبه إبريق النحاس بحزام جيد حول وسط الجسم، فهذا يوزع ثقل الحمل على جسمي، ولا أشعر بأي مشاق، وأستطيع أن أتحرك بحرية كبيرة ورشاقة لافتة.
وعندما تشاهد بائع العرقسوس تجده الوحيد من الباعة في مصر يرتدي ملابس مميزة مثل زملائه في المحافظات الأخرى، وهي ملابس تراثية كان يستعملها بائعو العرقسوس منذ مئات السنين، ورغم معاناته في الشوارع واقفاً على قدميه بحمله الثقيل تجد هذا المشروب هو أرخص مشروب في مصر.
والعرقسوس عبارة عن نبات معمر ينبت في الأرض البرية، وأغلبها حول حوض البحر المتوسط، وهو نبات جذوره طويلة وعميقة يعيش على المياه الجوفية، وكشفت أبحاث طبية أنه مقوٍّ، ويساعد كثيراً في علاج أمراض الجهاز الهضمي، ويستعمل في حالات القيء والتهيج المعدي، في ما كان قدماء المصريين يستعملونه كعلاج أساسي لهم من أمراض الصدر والسعال والربو، كما يساعد على إدرار البول، ويسهل الهضم، ولكن ينصح الباحثون بعدم الإكثار من استعماله، خاصة للمصابين بضغط الدم.
وشراب العرقسوس لونه بني، ولكن تجده في الأسواق أو عند الباعة لونه أسود لأنه تضاف إليه مادة سوداء.
ويعتبر شهر رمضان المعظم موسماً مهماً لبائعي العرقسوس؛ لأن هذا المشروب يعتبر مشروبا أساسيا في المائدة الرمضانية، وقبل موعد الإفطار تجد بائعي العرقسوس يقفون وسط زحام شديد وحولهم الكثيرون يطلبون منهم العصير.
مهنة متوارثة
وبسبب هذا الزحام ابتكر بائعو العرقسوس فكرة جديدة وهي تعبئة المشروب في أكياس بلاستيك ليجد الزبون أمامه الأكياس جاهزة فيدفع ويمضي سريعاً إلى منزله، وأغلب البائعين قد ورثوا تلك المهنة عن أجدادهم وآبائهم، ودائماً ما يذكرون أنهم يكسبون في شهر رمضان أضعاف ما يكسبونه طوال العام. لكن بائعي العرقسوس بدأوا يتخوفون من مستقبل مهنتهم، ففي الماضي كان العرقسوس تحضيره يحتاج إلى جهد ووقت كبيرين.
حيث كانوا ينقعون النبات في إناء كبير ليلة كاملة ويقومون بتصفيته وتحليته وتعبئته صباح اليوم التالي في الإناء النحاسي الكبير ليخرج به البائع للناس، الآن أصبح تحضيره سهلاً بعد ظهور الآلات الجديدة التي تقوم بطحنه وتعبئته في أكياس كمسحوق سهل التحضير، وأصبح كثير من الأسر يعتمد على تحضيره في منازلها بكل سهولة.
وأبدوا تخوفهم من أن يجعلهم هذا الوضع مثل كثير من العاملين في مهن أخرى أقعدتهم التعبئة الجاهزة التي تعتمد على الميكنات ووسائل التعبئة الجميلة. ولكن رغم ذلك يؤكد «كامل» بائع عرقسوس أنهم ما زالوا يكسبون رغم المسحوق الموجود بالأسواق.
وقال: نحن لنا جاذبية خاصة، وكثير من الزبائن يؤكدون متعتهم في الشراب من أيدينا؛ لطريقة العرض أو الصب، ومقابل نصف جنيه مصري فقط يمكنك الحصول على كوب من العرقسوس، ولكن في أغلب الأحيان تجد الزبون يشرب أكثر من كوب وهو أمام البائع.
ودائماً ما يضع الزبون في ذهنه ما ورد في الكتب والمراجع القديمة ويستند إلى شهادات كثيرة من الأطباء والمتخصصين الذين عددوا فوائد العرقسوس العلاجية، ولكن آخر البحوث أكدت أن هذا المشروب مقوٍّ للمناعة، وأفضل ما يميز هذا المشروب أنه متاح للفقراء والأغنياء بأسعاره الزهيدة، فيما كان في عهد الفراعنة استخدامه وشرابه مقتصرين على الملوك والأمراء وعلية القوم فقط.
