تستقطب أسواق الماشية في عدد كبير من ولايات الجزائر هذه الأيام الشباب العاطلين عن العمل لممارسة هواية جز الغنم، هي في الوقت نفسه مهنة موسمية يتسابقون اليها كل صيف.
في المسيلة كما في البيض والنعامة وسطيف والجلفة وبسكرة وسعيدة وتيارت وأم البواقي وغيرها من الولايات الواقعة في الهضاب العليا وعلى مشارف الصحراء تنظم كل عام مسابقات في سرعة واتقان جز الخراف والنعاج، ويكسب الفائزون شهرة تمكنهم من الحصول على تفضيل من كبار الموالين لجز القطعان الكبيرة وتحصيل أموال طائلة.
ولا تزال بعض مناطق الجزائر حتى اليوم تقيم مهرجانات بمناسبة موسم الجز ويجتمع ممارسو هذه المهنة في أماكن عامة لإظهار قدراتهم وسط تشجيعات من الحضور وأباريق الشاي والقهوة التي يقدمها السكان مجانا احتفاء بهذه المناسبة.
ويشبه البعض هذه الأيام ببداية موسم الزرع أو الحصاد الذي يحظى بمكانة كبيرة وسط القرويين. ويحضر إلى مكان الجز الكبار والصغار على السواء يتابعون ما يجري باهتمام بالغ ويشجع بعضهم أقارب أو أصدقاء، وكثيرا ما صفق الحضور حين يقف الخروف وهو في وضعه الجديد. وتختلف طرق الجز من جزاز لآخر بحسب الخبرة واليد المستعملة وسرعتها. وبحسب أداة العمل إن كانت مقصا تقليديا أو آلة كهربائية.
وان كان المقص كبيرا أو صغيرا، فمنهم من يبدأ قص الصوف من الصدر والبطن فالجانب الأيمن ثم الأيسر إلى العمود الفقري. ومنهم من يفضل البداية بالصدر والانتهاء بمؤخرة الخروف.
ويستخدم معظم الجزازين اليوم آلات كهربائية لسرعتها فيما لا يزال آخرون يعتمدون على المقص الخاص بالجز ويسمى محليا «الجلم» وهو قطعة معدنية بشكل حرف «v» اللاتيني حادة جدا يقطع بها الصوف بعد ضغط من راحة يد الجزاز وليس باستخدام الإصبعين.
كما يحدث مع المقص العادي. بين مجموعة من ممارسي حرفة الجز بسوق مدينة البيض لمع عبد النور وهو شاب في الثالثة والثلاثين، بسرعته الفائقة وجمال «تسريحاته» التي تختلف بين خروف يجز لأول مرة وكبش سبق له أن خضع عدة مرات.
يسأل عبد النور صاحب القطيع إن كان يريد «الجز العادي» ان ثمة تجميلا لبعض الخرفان. ثم يطرح نعجة بوزن 65 كلغ على الأرض ويستعرض في سرعة ربطها من ثلاث قوائم ويشرع مباشرة في نزع الصوف بمقصه الحاد.
بعد دقائق ينتهي ويكون قد ضمن 150 دينارا ويبدأ رحلة المائة الأخرى وعند المساء يكون قد جمع نحو ألف و500 دينار وهو دخل جيد بالقياس إلى مستوى المعيشة في هذه المدينة الصغيرة الواقعة على الهضاب بأقصى غرب الجزائر.
مضمون
لكن هذا الدخل غير قار، فالشغل مضمون له خلال الصيف فحسب. أما مراد «27 سنة» فيتنقل بين أسواق «مسيلة» و«بوسعادة» و«مغرة» و«سيدي عيسى» وغيرها حتى يشتغل كل يوم. وقال حين سألناه عن طبيعة شغله «أصعب ما في العمل هو التنقل...
يجب القيام باكرا للحصول على مكان في الحافلة أو في تكسي، قبل حلول ساعات الحر الحارقة، ثم حجز مكان بالسوق وسط منافسة كبيرة من جزازين آخرين ونصب الخيمة قبل استقبال المواشي المرشحة للجز... أقوم بجز ما بين 12 إلى 15 شاة وخروفا كل صباح باستخدام آلة تشغل بالبطاريات. وقبلها كان والدي وهو أكثر مني خبرة لا يجز أكثر من أربعة إلى ستة خرفان في ذات المدة لاستخدامه المقص التقليدي».
وقبل بداية الجز يسأل مراد صاحب القطيع ان كان يريد الدفع نقدا 150 دينارا للرأس أو التنازل عن الصوف وعندها يكون الجز بلا مقابل مالي. ويسعد كثيرا حين يسمع كلمة «نص نص» وهو ما يعني دفع 50 بالمائة نقدا والباقي بالصوف، فهذه الصيغة تمكنه من كسب المصروف اليومي في ذات الوقت تمدد له عمله إلى ما بعد موسم الجز بالاتجار في الصوف الذي يجنيه.
عاطلون
لكن في الغالب لا يشتغل ممتهنو الجز الا ثلاثة أشهر على اقصى تقدير، ثم يتحولون إلى عاطلين وأحيانا يجدون العمل في ورش البناء أو عند التجار المتنقلين عبر الأسواق الأسبوعية. لكن الاكيد أن الجز هو أهم ما يقومون به وان في فترة محدودة.
وفي كثير من مناطق الجزائر مثل القبائل والاوراس تمارس المرأة الريفية الجز لكن ليس بشكل الرجال حيث المنافسة والطموح وكسب المال، وبعض النساء القرويات يقمن بجز أغنامهن بأنفسهن وبمساعدة أطفالهن حتى لا تترتب على العائلة تكاليف ذلك.
وهو حال شريفة العجوز ذات الخامسة والستين التي ساعدت والدتها في جز نعجة قبل أزيد من خمسين عاما، واليوم تقوم هي بالجز أيضا وترى ان المسألة عادية مثلما لو قامت بأي شغل منزلي آخر... الجز شغل عائلي نمارسه لحاجتنا اليه وليس عملا خاصا بالرجال، كما قالت.
وتعمل شريفة بمقص الجز التقليدي «الجلم» ولا تملك الآلة الحديثة ولا تنوي امتلاكها لأنها تعودت على الطريقة التقليدية. وقالت انها تذبح الخراف والماعز والدجاج ولم تذبح سوى البقر والجمال، لكنها قادرة على ذلك ان دعت الضرورة ووجدت مساعدة قوية.
الجزائر ـ مراد الطرابلسي
