في صباح اليوم الأول من رمضان الكريم، يتفادى عدد كبير من الصائمين دخول الأسواق والملاعب الرياضية وصالات السينما أو حتى التنقل بالسيارة لتحاشي الصدام مع من «يغلبهم رمضان» فتتحول فاتحة شهر التوبة والغفران إلى مناسبة للفتنة والخسران. فمجرد كلمة أو نظرة يمكن أن تنتج عراكا يختلط فيه الحابل بالنابل وتحضر الشرطة وتسيل الدماء ناهيك عن كلام بذيء يندى له الجبين، ثم يندم الجميع بعد تناول الفطور.
وحدث أن دخل العشرات في يوم واحد إلى طوارئ المستشفيات وأقسام الشرطة بسبب اعتداءات من صائمين خائبين لا يعودون إلى جادة الصواب إلا بآذان المغرب. وكثير ما ساءت العلاقة بين الجيران لكلام أسيء تفسيره خلال «ساعات العجز عن الإدراك» بفعل تأثير الكف عن السيجارة أو «الشمة» والقهوة.
وعجز أخصائيون سألتهم «البيان» على تفسير الظاهرة سوى بكونها تدل على ضعف أصحابها وهشاشتهم الذهنية. وإذا كان سوء العلاقات بين الناس أثناء الصيام هي من أكبر ما يعكر شهر رمضان في الجزائر فثمة عادات أخرى لا تقل إزعاجا وإضرارا بالنفس والمجتمع.
فقبل أسابيع من الشهر الفضيل يحضر التجار بطريقتهم الخاصة فيخزنون المواد واسعة الاستهلاك لعرضها في رمضان بأسعار أعلى، وهذا الوضع يدفع بالعامة إلى التلهف على تلك المواد وشرائها بكميات كبيرة وتكديسها لتفادي الوقوع ضحية الندرة.
وتجد عائلات بأكملها لا تفكر إلا فيما تتزود به من أمور الفطور والسحور. وبالإقبال الكبير تلتهب الأسعار أكثر وتتضرر فئات واسعة من الأسر ضعيفة الدخل. وعجزت الحكومات المتعاقبة في كبح جشع التجار وعجز الوعاظ مع ان الموضوع يتكرر في المساجد كل يوم وتتناوله الصحافة بمختلف أنواعها.
وعمدت السلطات في رمضان هذا العام لاستيراد آلاف الأطنان من اللحم من الهند حتى تكسر الأسعار التي بلغت ألف دينار ) 15 دولارا أميركيا (للكيلو الواحد من اللحم المحلي العادي وألف و200 دينار) 18 دولاراً (للكيلو من شرائح لحم البقر بلا عظام. واعترف وزير التجارة مصطفى بن بادة قبل أيام بأن الجشع هذا يستنزف ميزانية الدولة ويدفعها إلى تخصيص أموال كبيرة لحماية القدرة الشرائية لضعاف الدخل.
وخلال شهر رمضان تفتح محلات لعب الورق والدومينو بالآلاف في مختلف مدن وبلدات وقرى البلاد ويهرع هواة هذه الألعاب إليها بمجرد الانتهاء من وجبة الفطور لحجز مقاعد يسهرون عليها حتى الفجر ثم يعودون فينامون إلى العصر أو أكثر. وحتى من يؤدون صلاة التراويح يتهافتون على أماكن في تلك المحلات للسهر واللعب، وهؤلاء كثر بالقياس إلى عدد مرتادي النوادي الثقافية والفنية.
بينما يقضي صائمون من مختلف الأعمار خاصة الشباب منهم أوقاتهم طول النهار على موائد اللعب في الأحياء والشوارع. ويتغيب عدد كبير من العمال والموظفين عن مناصبهم ويتعطل الشغل وتدخل البلاد في شبه توقف تام عن العمل، ويؤثر تراكم الأوساخ والقاذورات على مشهد المدن جراء تأخر رفع القمامة من مصالح البلديات، ويغادر كثير من العمال مواقعهم قبل ساعة نهاية الشغل للتجول في الأسواق والبحث عن ما يؤكل أو يشرب.
ويقطع الكثيرون مسافات طويلة للحصول على أنواع من الحلويات والمشروبات والمرطبات التي تعرف بها مناطق معينة على غرار «زلابية بوفاربك» مثلا حيث يتنقل الناس تحت وقع الصيام من مسافة تزيد عن 50 كلم لشراء كيلو غرام من الزلابية اللذيذة من محل ببلدة بوفاريك الواقعة على 40 كلم جنوب غرب العاصمة ويزيد آخرون المسافة إلى البليدة لشراء عصير الفواكه المحضر بالطريقة التقليدية لاسيما عصير الليمون.
ويتنقل بعضهم إلى الأرياف لشراء الحجل البري والدجاج الجبلي والعسل الطبيعي وما إلى ذلك من الأمور التي يندر استهلاكها في الشهور الأخرى من العام. في كل رمضان كما يجدد كثير من الناس العهد مع انتظام قيام الليل والعمل النبيل.
الجزائر ـ - مراد الطرابلسي
