الناس في رمضان فئات كثيرة، وعلى رأسهم فئة طلّاب المساجد، ومنهم أيضاً فئة طلّاب المقاهي، ومنهم فئة ثالثة هم الذين بين هذه وهذه يدورون، حيث تسنح لهم الفرصة.

عرفت المقاهي في المملكة منذ عقود بعيدة، ولكن طبيعة الحياة المعاصرة أبعدت الناس عنها إلى حين. أما اليوم فتعود للمقاهي أنوارها المتيقظة ولكن هذه المرة مع تغيير في الشكل.

وتشترط التعليمات أن تكون مدة صلاحية التصريح خلال شهر رمضان المبارك فقط، مع الالتزام بعدم عرض المواد المخلة بالآداب العامة تحت طائلة المسؤولية القانونية والإدارية، وعدم إزعاج المجاورين أو استخدام مكبرات الصوت، إضافة إلى ضرورة توافر شروط السلامة العامة وتوفير المرافق الصحية.

ولكن على الأرض تطل الممارسة التالية: منافسة قوية بين الخيم الرمضانية التي يغلب على وجباتها الفقرات الغنائية «التي بالتأكيد تخلو من المدائح والترانيم الصوفية».

وتبدأ المقاهي سهرها بعد الإفطار مباشرة إلى فترة السحور عبر إقامة العروض الرمضانية، فيما فاتورة الدخول تتراوح بين 5 دولارات إلى 7 دولارات وتشمل مشروباً و«تحلاية» رمضانية مميزة، أما من يريد أكثر فعليه أن يزيد السعر على فاتورته.

ويقول أبو سليم، وهو مدير أحد المقاهي: إن المقاهي ترتبط بالأرجيلة التي أصبح تدخينها فناً قائماً بذاته، على حد وصفه.

وأضاف: هناك نقلة كبيرة ما بين ليالي السهر في رمضان في الوقت الحاضر والماضي الذي كانت لياليه تشهد تجمعات للأفراد فيما يقوم الحكواتي بدوره في سرد القصص أو التواشيح أو الأندلسيات، إلا أن الأمر اختلف الآن ليصبح التنافس في الوقت الحالي بسيطاً معتمداً على النارجيلة وألعاب مشتركة أهمها لعبة الشدة.

فرصة مواتية ولكن...

ورغم أن الكثيرين يجدون الفرصة مواتية في شهر رمضان المبارك للإقلاع عن التدخين، إلا أن مشهد رواجه في السهرات التي يطلق عليها وصف رمضانية يبدد هذه المقولة، حيث يكثر فيها الإقبال على التدخين ومنه (الأرجيلة) الذي يطال الشباب والكبار والسيدات على حد سواء.

يقول رئيس قسم الأمراض الباطنية والصدرية في مستشفى البشير د. يوسف النعيمات: إن من يستطيع التوقف عن التدخين لساعات طويلة أثناء صيامه يستطيع بالإرادة والصبر أن يقلع عنه أولاً بأول.

ويقول إن عدم التدخين بحكم الصوم يحسن الأداء الوظيفي ويعزز الجهد بشكل عام ويخفف من كمية الاختناق المصاحبة للبلغم، كما يؤدي إلى تحسن في لون البشرة وإعادة الانتعاش والحيوية لها.

ونوه بأن الصيام فرصة للإقلاع عن التدخين لدى السيدات أيضاً، مشيراً إلى دراسات عدة أظهرت دور التدخين في الإسراع بظهور تجاعيد الوجه.

وفي السياق حذر رئيس قسم الأمراض الباطنية والصدرية في مستشفى البشير د. يوسف النعيمات من قيام بعض الصائمين بالتدخين فور سماعهم آذان المغرب، الأمر الذي يعرض غشاء المعدة الخاوية من الأكل إلى التقرحات والالتهابات مؤكداً، أهمية التمر والسوائل كاستهلال صحي لوجبة الإفطار.

ويقول إن الكثير من المقلعين عن التدخين استغلوا الشهر الفضيل كبداية ونجحوا في ترك تلك العادة التي تتسبب بقتل ما يعادل خمسة ملايين شخص سنوياً بحسب دراسات منظمة الصحة العالمية. ويضيف أن الدخان ووفقاً لدراسات موثقة يحتوي على أكثر من 6 آلاف مادة كيماوية ضارة ومسرطنة ومسببة لأمراض القلب والجلطات، وإن مادة النيكوتين المسببة للإدمان الموجودة في 5 سجائر كافية لقتل إنسان إذا ما حقنت بجسمه دفعة واحدة، مشيراً إلى دراسات اعتبرت أن (بربيش الأرجيلة) مرتع خصب لمرض السل.

حلة جديدة

اليوم في الحلة الجديدة للمقاهي بنات يشربن الأرجيلة أسوة بالشباب، وفي الحلة الجديدة أيضاً، سهرات حتى الفجر، في ما اقتصرت مقاهي زمان على الرجال فقط، ولساعة مسائية محددة ثم يقفل الأبواب.

والمفارقة في ذلك من يقول إن هذا الوقت عصر السرعة والقرية الصغيرة، وعصر المعلومات والحياة التي لا وقت لها للجلوس في مقاهي العاطلين عن العمل، ولكن لا يمكن أن يكون مشهد المقاهي مصدقاً لذلك؛ فالجميع في المقاهي يريدون أمراً واحداِ وهو قتل الوقت الذي يقتلهم من دون أن يدروا.

ما جرى في عمان خلال العقد الأخير أن المقاهي نبتت كالفطر البري في الأسواق العامة لتقدم لزبائنها كل ما بين أيديهم أصلاً في بيوتهم، إضافة إلى هواء هو بالتأكيد ليس أنقى، بعد أن يشبّع دخان الأرجيل الفضاء فلا تكاد تجد موطئ قدم لأوكسجينك.

ووفق نظام صراع البقاء، اعتادت المقاهي على اصطياد فئة محبيها في شهر رمضان في الوقت الذي زاحمتها بذلك المنشآت السياحية التي لبست لبوساً رمضانية، في محاولة حثيثة لاستقطاب المرتادين.

وفي كل شهر مبارك تصدر وزارة السياحة مجموعة من التعليمات لمنح تصاريح إقامة الخيم والسهرات والنشاطات السياحية داخل المنشأة، إضافة إلى تنظيم ممارسة أعمال الخيم الرمضانية من تقديم الأرجيلة ولعب الشدة والنرد وإقامة المسابقات الربحية التي لا تستهدف المقامرة، إلى جانب منع إقامة خيمة أو سهرة رمضانية ضمن النوادي والملاهي الليلية.

ويعرب عبدالسلام الصوفي عن استغرابه من وجود وقت لمن يرتاد المقاهي لارتيادها، ويقول: إن الصائم لا يجد الوقت ولا الذهنية لذلك، فبعد الإفطار يستريح قليلاً ليعود إلى المسجد لصلاة التراويح، وبذلك يكون قد انقضى شطر واسع من الليل ليعود إلى البيت، خاصة إذا كان في ضيافة أرحام أو انه نفسه يستضيفهم على الإفطار.

ورغم أن المواطن سعيد المشاري يقول إن انتشار المقاهي والزيادة الكبيرة في نسبة الإقبال عليها مردهما الأجواء الهادئة والممتعة، إلا أن الناظر إلى ما يجري من صخب لا يمكن أن يصف الأجواء بالهادئة.

ويغلب على مرتادي هذه المقاهي الشبان من ذوي الفئات العمرية الصغيرة ممن يسمح لهم بدخول المقاهي، وهم يرتادونها كونها أحد الخيارات التي يمكن فيها أن يلتقي أحدهم مع أقرانه ويلهون حتى الفجر من دون رقيب.

رأي الشرع

قال المفتي العام للمملكة الشيخ عبدالكريم الخصاونة إن الدين الإسلامي الحنيف يدعو إلى الترويح عن النفس بالأساليب المفيدة والشرعية وليس باللجوء إلى التدخين والأرجيلة بعد الإفطار، وفقاً للمتخصص في علوم الفقه وأصوله الدكتور أسامة الفقير الذي يؤكد ضرورة التقرب إلى الله سبحانه وتعالى في هذا الشهر الفضيل.

وأضاف أن هذا الشهر المبارك يعد فرصة ليس للإقلاع عن التدخين فحسب، بل لترك كل العادات السيئة التي تتنافى مع الأخلاق والدين الإسلامي الحنيف، مشدداً على أهمية دور الإعلام في التثقيف الصحي والديني.

عمان ـ لقمان إسكندر